Advertising

كل التدوينات

الاستعمار و تأنيث الشريعة

الاستعمار و تأنيث الشريعة

(صدرت في السودان عن دار الخرطوم للصحافة والنشر الطبعة الثانية من كتابي "الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر". وهو موجز وافي تقريباً لصورته الأخرى في إنجليزية وعنوانها "هذيان مانوي: تحرير القضائية الاستعمارية الثنائية والإحياء الإسلامي في السودان، 1898-1985" (بريل 2008). ويحاول الكتاب الخوض في شأن "أسلمة الدولة" المستقلة بعد 1956 على ضوء مدرسة ما بعد الاستعمار (وهي منصة أكاديمية يسارية) بما يتجاوز التأجيج العلماني الذي اكتنف هذه المسألة منذ بروزها على السطح في دولتنا الوطنية المستقلة. وسيجد القارئ إنني رددت زحف الإسلام الموصوف بالسياسي إلى أصل في جغرافيا الدولة الاستعمارية أحسن وصفها المفكر الفرنسي (من أصول مارتينكية سوداء) وسماها بالجغرافيا المانوية. وتنقسم بها المستعمرة إلى فضاء حديث وفضاء تقليدي متشاكسين ضربة لازب. ولم ننجح بعد الاستقلال في تفكيك هذه الجغرافيا بإرادة وطنية غراء واعية. وأضطرب أمرنا وظللنا نتخبط في إسار هذه الجغرافيا بدلاً من تجاوزها إلى بناء الوطن المعافى من عقابيل الاستعمار. وحرصاً على أن يقرأ الكتاب من في الاغتراب ولا سبيل لهم في الخرطوم إليه أنشر هنا فصله الأول منجماً. ويبدأ الفصل بسؤال قديم رن في كتاب زكي مصطفي عن قانون السودان القائم على القانون العام الإنجليزي (1971) وهو: ألم تكن الشريعة أولى بأن تكون هي قانون السودان على عهد الإنجليز حتى بشروط العدالة والوجدان السليم التي جعلوها مبدأ سامياً للقسط. وأردت باستعادة السؤال المحير تفكيك عقائد صفوية استقرت عن بؤس الشريعة كنظام حقوقي. وهي عقائد لم تقع لنا اجتهاداً منا وكدحاً بالفكر بل بالتابعية نطأطأ له جبراً ونتبناه اعتباطاً بما عرف ب " الاستشراق الداخلي". لن تلتزم عناوين المنشور من الفصل منجماً بعناوينها الأصلية). نحاول في هذا الفصل الباكر أن نجيب عن سؤال أثاره الدكتور زكي مصطفى في كتابه القيم عن القانون السوداني القائم على القانون العام الإنجليزي (1971) وهو: "لماذا لم يستفد القضاة الإنجليز وخلفهم من السودانيين من الشريعة الإسلامية في إنشاء قوانين السودان، في حين كان متاحًا لهم ذلك بفضل الصيغة الموجهة لعملهم القضائي والتشريعي القائلة إن بمقدورهم الاستعانة بأي قانون طالما لم يصادم العدالة والسوية وإملاءات الوجدان السليم؟". وقد رأت الدراسة أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن نجدد النظرة في الخبرة الاستعمارية البريطانية ومنزلة الهند في استواء هذه الخبرة ونضجها. يميل دارسو الإمبراطورية البريطانية بشكل متزايد للبحث في دور الهند في إحداث هذه التشابهات الملفتة في التجربة البريطانية الاستعمارية، «والتهنيد» هو التعبير الذي اختاره تيموثى بارسونس لوصف المؤسسات البريطانية الاستعمارية التي تسربت عبر الهند إلى الإمبراطورية كلها. ففي رأى لبارسونس أن الثقافة والمؤسسات التي نشرها البريطانيون حول العالم كانت في الغالب هندية أكثر منها بريطانية. أما أي كوستا فيصور وحدة التجربة الإمبريالية البريطانية في عبارات مأخوذة من علم البستنة. ويؤكد أن الأفكار الإدارية ولدت في حاضرة الإمبريالية، وتمت تربيتها في محاضن الهند، وبلغت مرحلة النضج في أفريقيا. وقد وجد تعبير التهنيد صياغته الأكثر دقة حتى الآن في أعمال الكاتب الأفريقي محمود محمداني. فقد ناقش بصورة عرضية، ولكن بقوة، الوحدة الإدارية للإمبراطورية البريطانية. وأظهر أن إفريقيا، كآخر المعاقل الاستعمارية، تعرًضت لأشكال من الإدارة كانت قد جُربت أولاً في الهند. وأضاف أن التفكير الاستعماري فيما تعلق بأفريقيا كان وثيق الصلة بالتفكير البريطاني في إدارة الهند بصورة أعمق مما هو ظاهر للعيان. وإذا كان ثمة اختلاف ربما كان في أن الإجراءات التي اتخذها البريطانيون لعلاج داء تحلل المجتمع التقليدي في الهند، وهي المستعمرة الأقدم، تحولت إلى تدابير وقائية لمنع ذات التحلل في أفريقيا. وقد أبانت عن هذا ��لجانب العلاجي الوقائي في السياسة الاستعمارية في الهند وأفريقيا كلمات حاكم عام السودان في 1908م. فقد تفجع الحاكم من كون الطبقة السودانية الراقية رفضت إرسال بنيها لورش التدريب الحرفي التي أنشأتها الإدارة، لأنهم يريدون لهم أن يصبحوا أفندية أي «موظفين صغارًا» تقليدًا للأوروبيين، وقد رأى في هذا نظيرًا لما وقع في الهند في وقت مضى فقال متعجبًا: «أليس في الإمكان الاعتقاد بأن بذور تجربة هندية ثانية قد تم بذرها هنا في السودان !! ». ومظاهر الوقاية في أفريقيا من أمراض عالجها الإنجليز في الهند كثيرة. فقد رأى البريطانيون في قادة التحركات الأولى للوطنيين السودانيين «الأفندية» صورة للثائر الوطني البنقالي في الهند والمعروف عندهم باسم «بابوس». وكنتيجة لذلك جهدت السلطات البريطانية – بصورة واعية – للحفاظ على ما توخت أنه الأصالة الثقافية لكلية غردون التذكارية. فمع اندلاع ثورة 1924م، غير البريطانيون قواعد الزي في الكلية. فقد طلبوا من الطلبة ارتداء الزي الوطني وهم الذين شجعوهم بادئ الأمر على ارتداء الزي الغربي الأوروبي. وقد أملت التجربة الهندية أيضًا على البريطانيين أن يفطموا طموح الطبقة المتعلمة الناشئة في السـودان وأن « يلزموها محلها » حتى لا يتكرر ما حدث لهم في الهند من تسييس لهذه الطبقة صوب الطموح الوطني. ولذا تحول البريطانيون عن الحكم المباشر، الذي يتم بواسطة الأفندية، إلى الحكم غير المباشر الذي هو حكم الإدارة الأهلية ومشائخ القبائل. وسيتوضح الأثر السالب للإدارة الأهلية على الشريعة الإسلامية كتقليد شرعي «مشروع» في الفصل القادم. واحد من أخصب المجالات لدراسة تهنيد أفريقيا «أي تشكيلها -استعماريًا -على النمط الهندي» هو مجال استيراد ونقل القوانين ووضعها. ففي السودان كما في بقية أفريقيا، جرى نقل وفرض مجموعة القوانين الهندية والتي كانت بدورها قد اشتقت من القانون الإنجليزي العام. وسأجادل في هذا العرض أن الشريعة الإسلامية لم تعط مثقال فرصة للكشف عن قيمتها كمصدر محتمل لتحديث القانون خلال فترة الحكم الاستعماري. وسأشدد على أن التجاهل أو «التجنب» المتعمد للشريعة شاهد على تهنيد الإمبراطورية البريطانية الذي اعتمد فيه البريطانيون على مخزون من تجربتهم الاستعمارية في الهند لتفادي أخطائهم في حكم هذه الدرة في تاج إمبراطورتيهم في إدارة مستعمراتهم الطارئة في أفريقيا. وفور استيلائهم على السودان بدأ البريطانيون في تأسيس نظام محكم لتدبير النظام العدلي. وقاد هذا في النهاية، وليس بالضرورة، إلى نظام ثنائي للقضاء يشتمل على قسم للقانون المدني وآخر للقضاء الشرعي. وظلت هذه الثنائية معنا حتى أوائل الثمانينات حين أجبر الرئيس نميري القضائية على توحيد نفسها وتخطى ثنائيتها. اختص القسم المدني بالقانون الجنائي والمدني بينما اقتصر القسم الشرعي على قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين من نكاح وطلاق وغيره. وبحصر الإنجليز للشريعة في حيز الزواج والطلاق والميراث يمكن القول بأنها قد « أُنٍّثت » بواسطة الاستعمار الغالب الذي وطئ السودانيين المسلمين وأذلهم. وقالت باحثة عن موقف التأنيث للشريعة كلمة بليغة. فقد قالت: «إنه بحصر الاستعمار للشريعة في شؤون الأسرة فقط فكأنه قد نقل الإسلام من أرض معارك المقاومة الشرسة إلى غرف النوم». جاء البريطانيون للسودان بعد أن خلصوا على ضوء تجربتهم في الهند ( بأقليتها المسلمة كثيرة العدد حيث كانت الشريعة هي قانون البلاد في ظل حكم المغول قبل الحكم البريطاني) إلى أن القانون الإسلامي لا يصلح لدولة حديثة. وقد انقضى وقت كثير وجدل خصب قبل أن يستقر هذا المبدأ الإنجليزي حول الشريعة في الهند ذاتها
749 .1 K
التكتيك و الاستراتيجية ودور الانتلجنسيا

التكتيك و الاستراتيجية ودور الانتلجنسيا

د. محمود المعتصم الفرد: إن سؤال التكتيك و الاستراتيجية هو سؤال الفرد والايديولوجيا. دعني أبدأ من نقطة غير متوقعة: بعد حراك سبتمبر 2013، الذي لم اشارك فيه ولو بالخطاب والحشد رغم انني كنت موجودا في السودان (وقتها كنت في حالة من اليأس، الحل الديمقراطي لم يعد يمثل مخرجا بالنسبة لي، ولم أكن بعد توصلت للحل الشيوعي كمنظم نظري وعملي لأفعالي، وأنا لست مثل البقية، لا تمثل الجماهير بالنسبة لي سندا معنويا، هي نقطة الحقيقة ولكنها ليست حقيقة مكتملة في ذاتها، بالتالي كنت وقتها في حالة شلل كامل، وبحث)، أذكر أنني في حوار مع صديق عزيز سألته: هل هنالك حل للمسألة التاريخية التي نحن فيها؟ أجاب: لا. سؤالي التالي كان: هل ستشارك مع الناس لو قامت ثورة شعبية؟ أجاب: نعم. هنا سؤالته: أليست "الجماهير" إذن هي نقطة المطلق التي لا نستطيع جميعا تجاوزها؟ هي شيء نحن نعتمد عليه. حتى عندما نكون على دراية كاملة بأنه ليس هنالك حل، إلا أننا مع ظهور الجماهير نتحول لناشطين مرة أخرى. أنا أحاجج أن هذه المشكلة: مشكلة الاعتماد على تحرك رد الفعل خلف الجماهير. هي سبب الشلل الذي تظهره الانتلجنسيا السودانية في كل ملف تاريخي. (بإستثناء الحزب الشيوعي في الخمسينات والستينات، و الحركة الاسلامية في الفترة التالية). الأمر هنا هو أكثر من تصور نرجسي للواقع. في الحقيقة، وربما لحسن الحظ، فإن العالم سيستمر في التحرك، والاحداث التاريخية ستستمر في التفجر، بغض النظر عن تصوراتي أنا وتصورات صديقي. أنا أعرف ذلك جيدا. المسألة هي أن الواقع يتحرك بتلقائية. هنالك اينيشريا في التاريخ تدفعه إلى الامام نحو عدد من الاحتمالات الحتمية: حرب أهلية أو تشارك سياسي، ديمقراطية أو ديكتاتورية، حداثة أو رجعية... كل ذلك طبعا تحت المحدد الأعلى وهو الرأسمالية. في النهاية فإن الملطق اليوم هو الملكية الفردية (للأسف ليس ملكيتك أنت يا قاريء هذه الكلمات.) هنالك فرص لأن يتحرك الواقع داخل تلقائيته، ولكن مع توجيه محدود جدا هنا وهناك. أحيانا يكون ذلك التوجيه كافيا: كما أشار ماركس، فإن المجتمع البرجوازي الذي أنتجته الثورة الفرنسية، كان محددا في حقيقته النهائية بحرية "التعاقد في السوق" وليس بالحريات السياسية التي جاء بها اليعاقبة. ولكن رغم ذلك، فإن التدخل في التاريخ الذي أنتجه النادي النخبوي الباريسي، كان وما زال تدخلا رئيسيا ومحوريا. وهو تدخل ضد تلقائي تماما (كما يشهد مقدار العنف، العقلاني وغير العقلاني، الذي أكتنفه). يمكن للمرأ أن يتخيل واقعا بديلا: الرأسمالية بدون الحريات الفردية التي أسس لها اليعاقبة أنتجت دائما أنظمة فاشية مخيفة جدا، إبتداءا من أنظمة موسيليني و هيتلر ونهاية بالصين الحالية. اليوم نحن بحاجة لعدد من التدخلات ضد التلقائية. محدودة و واقعية جدا. مثل التدخل من أجل منع الهيمنة الخارجية، من أجل تأسيس "عقد إجتماعي" يقطع داخل ثنائية الدين والحداثة، ثم بالمجمل من أجل تأسيس نمط حراك سياسي يجعل الارتداد على الديمقراطية صعبا. وهذه التدخلات حتى تتم فهي بحاجة لحركات سياسية/إجتماعية لا تعمل بنظام رد الفعل. ولا تتبع الجماهير. بل ولا تهتم للفضاء الجماهيري العام بالمجمل: إذا بدأ أي حراك سياسي وفي داخله خوف من ردود الفعل ورغبة في شعبية جارفة من البداية، فهو يحكم على نفسه إما بالفشل أو بالتبعية و بالتالي التحول لجزء من الكل التلقائي. لذلك أنا أبدأ من الفرد. أنت بحاجة لأفراد لديهم أداة تمكنهم من الانسحاب من التكتيك وقت الحوجة والتعلق بإستراتيجية معينة لفترة طويلة نسبيا وتحمل تبعات ذلك. الأداة تسمى الأيديولوجيا. هل يمكن الأدلجة "ديمقراطيا"؟ في الحقيقة، أنا أحد أكثر الناس كرها للديمقراطية. أستاذي آلان باديو يقول بوضوح: إسم العدو اليوم هو الديمقراطية. وأنا أؤمن على ذلك. لكن.. التفكير الاستراتيجي هو تفكير مرحلي بالتعريف. الوعي الزائف يمتاز بتلك القفزة بين الفرد والنهاية: عندما تصدع النسوية الكاذبة أذاننا بكلمة "حرية المرأة"، فإن الوعي البرجوازي الزائف يظهر في حقيقة أن هذه النسوية النخبوية لا تبذل أي مجهود في التساؤل حول كيفية الوصول لتلك الحرية؟ ما هي المواجهات والتنازلات الممكنة؟ ما هي التكلفة؟... كل ما يطرح أحيانا هو رغبة مجردة في أن يتحول المجتمع السوداني فجأة لنفس درجة التحرر في المجتمع السويدي. الشيوعي الكاذب سيخبرك كيف أنه في المجتمع الشيوعي سوف يختفي الاستغلال. ثم في اليوم التالي سيقوم عمليا بنزوات تدمر فرص التمرحل نحو إمكانية شيوعية. وهكذا. للوصول لحالة من الالتفاف حول أيديولوجيا ديمقراطية، علينا أولا كأفراد أن نتأدلج حقيقة خلف رايات أخرى. الديمقراطية لا تصلح كحل في ذاتها. هي "مرحلة". وعليها أن تأخذ في المنظومة العقدية تلك المنزلة. أولئك الذين دخلوا الواقع السياسي كرد فعل بعد هياج شعبي واسع. الذين يرفعون شعار "المدنية" أو "الديمقراطية" كأهداف لذاتها، هم أشخاص لا يمكن أدلجتهم ديمقراطيا فعلا. ولذلك سنرى في قادم الأيام أن الكل سيتخلى عن الشعار في أول ملف. بالنسبة لي. أعتقد أنه أمام أي حراك إشتراكي أو شيوعي، تظهر مسألتان: مسألة نزع القوة من المراكز الإقتصادية المهيمنة. منع فرص التحول لديكتاتورية. صنع وتصميم الحراك الاجتماعي على خط طبقي يجعل القوة العليا هي للأغلبية. الاجابة عن السؤال الأول، الأكثر منطقية هي العنف. وذلك فعليا ما حدث في كل البلدان التي حدث في تحول سريع لمراكز القوة من البرجوازية للكادحين. مثل كوبا و الصين و روسيا. لكن ولأن سؤال الملكية ما زال قائما. تحولت الدولة لمركز الملكية الجديد. وبالتالي تركزت فيها وفي الحزب قدرة وقوة هي خطر حقيقي على أي حريات سياسية. وكان. هنا تأتي مسألة إستعمال الديمقراطية كمرحلة. بالتأكيد فإن الحراك الديمقراطي هو حراك بطيء. وتكتنفه مصاعب جمة في ما يتعلق بإمكانية توجيه الناخبين عبر المال وغيرها. إلا أنه مع ذلك، فإنه هنالك فرص لتحويل الحراك الديمقراطي لحراك ذو عنف هيكلي كافي لزعزعة مراكز القوة، كما حدث في فينيزويلا و بدرجة أقل في تشيلي. ثم إن الحراك الديمقراطي، والحريات الفردية التي توجد خلاله، هو فرصة لأدلجة أبطأ ولكنها أرسخ. شيء أن تدرس القاعدة في المدارس إجباريا عن الشيوعية و شيء آخر أن يتدرب الكادر ويتوسع تدريجيا، في مجتمع حر، للإجابة فعلا على أسئلة الناس. أخيرا فإن القاعدة، في مجتمع غير صناعي مثل السودان، سيكون بإمكانها أن تتنظم بصورة أفضل في واقع ديمقراطي. إذا سلكنا سبيل الخيار العنيف، اليوم، فإننا سنكون كمن يدرب مجتمعا من الأسماك للحرب في البر. يلتزم النظام العالمي هيكليا بنظم و سرديات عن الفعل في الفضاء العام لا تتحمل غير الحركات السلمية. ويجب الألتزام بذلك، مثلما نلتزم مثلا بأن "اللغة" هي وسيلة ايصال أفكارنا. لاحظ أنني لا أذكر حسنات الديمقراطية. بل أذكر فقط كيف أنها جزء من طريق أراه نحو العدالة الإجتماعية والإشتراكية. أنا أرى كذلك أن أي حركة إجتماعية لا تؤمن بالديمقراطية لوسيلة وكمرحلة، هي حركة إجتماعية "ضعيفة هيكليا". الضعف الهيكلي هو أن تكون الفكرة خلف الحركة الاجتماعية غير قابلة للتحرك داخل الهيكل الكلي الحتمي. وهو ضعف يلغي أي إمكانية للفعل في التاريخ. أنت يمكن أن تظهر كفاعل في التاريخ مثل "تنظيم القاعدة" أو "داعش". يمكن لعنف الضعف الهيكلي أن يكون من الشدة بحيث ينظم المجازر الجماعية ويحكم أقطارا كبيرة. إلا أنه في النهاية دائما "عنف أخير" يسبق الاختفاء الكامل. سأترك للإسلاميين مساحة التفكير في علاقة حقيقية بينهم والديمقراطية. لكن متى ظهر الأفراد الذين تشكلت في وعيهم هذه القناعة فهم حلفاء في هذه المرحلة. دفاعا عن النخبوية: سيلاحظ القاريء هنا أنني لا أستهدف في هذه الكتابة سوى قطاع صغير جدا من الشباب القابل "للأدلجة". أنا في الحقيقة أكره فكرة أن السياسة هي فعل شعبوي مباشر. وأرى أن الشعبويين دائما يحاولون إخفاء ضعفهم النظري والعلمي خلف معاناة الناس وأحيانا خلف غضب الناس واحتجاجاتهم. في الحقيقة فإنه من غير الطبيعي أن يمتهن كل الناس الفعل السياسي. ذلك الحلم بأن تتحول ارادة الجماهير بصورة مباشرة لواقع، هو حلم النرجسي بأن تتحول إرادته هو لإرادة شاملة. ما يحدث فعلا هو أن الحركات الإجتماعية تقوم على تنظيمات بها أقلية فاعلة. لها أيديولوجيا معينة وإرادة تحاول فرضها. و العلاقة الصحية هي علاقة "تحالف" مع الناس وليس إمتزاج بهم. وبقدر ما كان تحالف الناس معك مفيدا لهم بقدر تحول حركتك لحركة ذات قاعدة صلبة وقدرة. ما يحدد صحة هذا الفعل النخبوي من خطأه ليس مدى ارتباطه العضوي بالناس. بل مدة توافق اهدافه مع مصالح الناس. اليوم في كل أنحاء العالم تتفجر حركات شعبوية يمينية عنصرية وبغيضة. بعلاقة عضوية مع الناس. ولكنها مع ذلك تعمل ضدهم. قديما سمى الشيوعيون النخبة الصغيرة، الانتلجنسيا المنظمة جيدا، "الطليعة". وكانت الطليعة، إن كان في أوقات كتابة استراتيجيات الحرب الأهلية ضد القوميين في الصين، أو في أثناء التخطيط للثورة الاشتراكية في روسيا، تعمل من أجل الناس مع تحالف من على البعد معهم. تحالف خلقاته هي الخطاب المعتمد على الصدق، و الفعل المبني على المبدأ. والثقة في الناس هي الثقة في أن الشعب حال وقف الطليعة كقوة صلبة تناضل لأجله سيلتف حولها، بلا حوجة للإستجداء و لا النفاق و لا التكتيكات الشعبوية المتعلقة بتمثيلية أننا "نتبع الجماهير". عن الضرورة و القرار: أن يقرر الواحد منا.. أن يقرر أنه سيؤمن بفكرة بصورة حقيقية، وأن يلتزم (أشدد هنا على كلمة الالتزام و الانضباط التي هي عندي دليل صدق الفرد، سهل القول، أما أتفه الأفعال اليومية فهو صعب جدا). هو في الحقيقة "فعل". بل ربما هو أول الأفعال و آخرها. ما يلي ذلك هو خلق تلقائية جديدة تنجز المهمة بصورة طبيعية. لكن ذلك القرار هو في حد ذاته ناتج جدليا من البدايات الخاطئة. إن ظن أحدهم بأن عملية الادلجة هي عملية نظرية فقط فهو مخطيء. عملية الادلجة في جوهرها هي عملية تحول الفعل اليومي نفسه لشيء مختلف بدون أن يشعر الواحد منا بذلك. وهذه العملية تحدث نتيجة احتكاك وتجربة. بل وتجارب. أغلبها مصيره الفشل. ما يمكن قوله هو أن هذا القرار. هذه الأقلية الطليعية التي يمكنها أن تتحول من تكتيك تبعية الواقع للإستراتيجية والفعل الحر. هي ضرورة. يشهد عليها خيار الموت والعنف الذي يحدق في وجوهنا جميعا. أريد فقط أن أذكركم.
714 .1 K
مناسبة راس السنة الميلادية

مناسبة راس السنة الميلادية

بمناسبة احتفالات رأس السنة الميلادية محمد المجذوب محمدصالح إن إتباع تقويم زمني لمجتمع أو أمة ما ليس مجرد مقياس زمني بارد لفترات الزمان، ولكنه يعني لدي المجتمع المعين وعياً حضارياً مهماً يسهم في تنتظم شؤون حياة المجتمع والأفراد اليومية، بوصفه تقويم قادر على أن يحتوي ويحفظ وقائع الأمة التاريخية ويسطّر أمجادها الحضارية، ويقيس عمرها الحضاري، فالتقويم الزمني بهذا الفهم ترجمان يومي للوعي التاريخي السائد أو الذي يراد تسويده في المجتمع، وعندما تتخلي أمة ما عن تقويمها الزمني فإنها تتخلي عن وعيها ومخيالها الجمعي والتاريخي والاجتماعي ومكون من مكونات عقلها الجمعي لصالح الوعي الحضاري للتقويم البديل. والحقيقة إن احتفالنا برأس السنة الميلادية، فانه يعني فيما يعني هجراننا استلهام تقويم الهجرة النبوية كوعي حضاري ارتبط بتاريخنا الحضاري ووعينا الثقافي، بوصفه نقطة انطلاقة لمسيرة التحرير الإنساني وتاريخ إقرار الحقوق والحرمات الإنسانية والحياة الكريمة للإنسانية، ونبز قيود الجهل والوثنية الشرك والظلم. عندما تتخلي أمة ما عن تقويمها الزمني فإنها تتخلي عن وعيها ومخيالها الجمعي والتاريخي والاجتماعي ومكون من مكونات عقلها الجمعي لصالح الوعي الحضاري للتقويم البديل. ذلك الوعي الحضاري الذي عبرت عنه خطبة حجة الوداع في إعلانها الإنساني العالمي المشهور، مقررة إن الإنسانية الصادرة عن إرادة الله الواحدة والتي تتصل في رحم واحدة وتنبثق من نفس واحدة، بما ينهي التنافر والاستعلاء العنصري والعرقي والقومي بين الناس، مما يكون أساساً للنظام الاجتماعي والسياسي الإنساني. وهو ما يظهر ذلك عندما يعلن الرسول الكريم في الإعلان العالمي بعد حمد لله والثناء عليه، وإعلان التحول التاريخي لصالح "أمة الإسلام" يقول :"الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، واعز جنده، وهزم الأحزاب وحده" معلنا إنهاء وإنكار كل أساس لرابطة بين الناس سوى رابطة الإيمان والتوحيد لاسيما روابط "العصبية" و "القومية" والتي يصفها "بالجاهلية" فيقرر "إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج وان الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكاثرها بالآباء كلكم لأدم وادم من تراب وان أكرمكم عند الله اتقاكم". وفى رواية أخرى يقول: "أن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم "ابن ربيعة بن الحارث"، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع من ربانا ربا "عباس بن عبد المطلب"، فإنه موضوع كله" . ومن ثم يقرر الإعلان "الهجري" بوصفة تقويماً حضارياً الأساس الجديد الذي تبنى عليه علاقات مجتمعات المسلمين، فيقرر "إن المسلم اخو المسلم، وإن المسلون إخوة وهم يد واحدة على من سواهم، يتكافأون دماءهم، يرد عليهم أقصاهم ويعقد عنهم أدناهم، مشدهم على مضعفهم وميسرهم على قاعدهم". وهي الرابطة التي تنشأ نتيجة عقود سياسية اختيارية من قبل مؤمنين أحراراً يزيد إيمانهم بعبادة الله، وهي ما أخذه النبي الكريم عن كل قوم دخلوا الإسلام كما معروف يقول: "أيها الناس انه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم تدخلوا جنة ربكم". ثم تقرر الخطبة التاريخية والحضارية التي اتخذت تقويماً حرمة مكة ودلالة ذلك كونها مثالاً للعلاقة بين الإنسان والكون وبين الناس وبين الله تعالى، فهي على هذا النحو مثال صلاح في العلاقات بين جلال الله والإنسان والكون، وهي الحال التي بها الاقتداء والإتباع في سائر أرجاء الأمة العالمية، يقول: " ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كان بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر صيدها ولا يعضد عضاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلي خلالها. وتمضي "الخطبة" قدما في تحديد طبيعة العلاقات بين المؤمنين في الأمة، لا سيما العلاقة الأهم في الاجتماع البشرى أعنى علاقة الرجال بالنساء لتقوم على كلمة الله تعالى، لا انحراف جاهلية وسلعة الربح، يقول الرسول الكريم: "فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ثم يجئ الأساس الجديد للرابطة واللقاء كضمانه لاستمرار الأمة كما كانت،... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله". ولكن هناك من يري إن الأيام كلها هي أيام الله وينتهي منطقياً إلى إمكانية الاعتماد على التاريخ الميلادي إلى جانب التاريخ الهجري، لكنَّنا نجد المفارقة الحضارية حاضرة فعلى سبيل المثال أن أسماء الأيام والشهور الميلادية ذات دلالة حضارية بوصفها تشير إلى أسماء آلهة وثنية خرافية، في مقابل مزايا التقويم الهجري ذو الدلالة الحضارية الدينية عندما يعتمد التقويم القمري على رؤية الهلال وان حدث خطأ في تحديد بداية شهر قمري ما فإنه لا يتراكم على غيره من الشهور، بل سرعان ما يتم تلافيه بتعاقب الشهور التالية، يقول تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {البقرة/189}. وهكذا فان التقويم الهجري القمري يرتبط بالأمور الدينية كالحج والصيام والزكاة وعدة الطلاق، فالزكاة مثلا تدفع إذا بلغ المال نصابها وحال الحول بالعام الهجري ولما كانت السنة الهجرية اقل من نظيرتها الميلادية بأحد عشر يوماً، فإنها تكون ادعي إلى سرعة دولة المال في المجتمع بمعدل سنة قمرية في كل ثلاث وثلاثين سنة ميلادية، وهو من مقاصد الإسلام السامية. والواقع انه إذا كان ديننا السمح يسمح بان نستخدم التقويم الميلادي تيسيرا للأمور وجلبا للمنفعة فان ذلك لا يمكن تعميمه بالنسبة لما يرتبط بالعبادات من زكاة للمال او بالنسبة لقوانين الاحوال الشخصية، وعلينا ان نتمسك بتاريخنا الهجري الذي يرتبط بتاريخ امتنا وتراثها وفكرها ومعتقداتها والذي يعد من أبرز السمات الاصيلة لهويتنا الاسلامية. وهكذا فعندما يتم هجران هكذا تقويم مؤسس لوعي تاريخي وحضاري وثقافي بالاحتفال بدلاً عنه بالتقويم الميلادي، ويتم اعتماد التقويم الميلادي، كأساس لتمييز زمننا الثقافي والحضاري، فإننا بذلك نستبدل وعينا التاريخي والحضاري بوعي تاريخي وحضاري آخر، هو وعي الحضارة الغربية المتمركزة محو ذاتها. وهو الحال الذي بدأ في عهد الخديوي إسماعيل بمصر سنة 1875م، بعدما زاد عدد الأجانب بمصر وما تبع ذلك من مظاهر التغريب والتبعية للحضارة الغربية، كما ارتبط انتشار التقويم الميلادي في كثير من الدول الإسلامية الأخرى بالاستعمار الأوروبي الذي فرض هيمنته الثقافية والحضارية، وعندما رحل المستعمرون وظلت آثار لهم تتمسك بها الكثير من الشعوب الإسلامية. ثم ما لبث أن تم تعميمه في مختلف التعاملات الرسمية ابتداء من تقويم العام الدراسي إلى موازنة الدولة...الخ، فانه يحكي في التحليل النهائي عن نكسة حضارة المسلمين. ومما يدل علي ذلك أن كثيراً من أبناء المسلمين يجهلون ترتيب أسماء الشهور العربية، اذا كانوا يعرفونها في الأساس، بما يعبر عن ضعف تعكس بوضوح حالة الهيمنة الحضارية بين حضارة غالبة وأخري مغلوبة على أمرها لا تلوي على شيء، وعندها فإننا سنفصم حضارياً وتاريخناً لنعيش على كذبة تاريخ حضارة مزيفة بالنسبة لنا، يراد لنا أن نراه تاريخنا وهو ليس كذلك. بيد إن علاج ذلك لا يكون حالة احتجاجية سلفية عنيفة ولا بقرار سياسي أو احترازات أمنية ولكن بتجديد حضاري متكامل.
677 .1 K
الاستعمار والشريعة وإذ أهدى الطريقين التي أتجنب

الاستعمار والشريعة وإذ أهدى الطريقين التي أتجنب

الاستعمار والشريعة وإذ أهدى الطريقين التي أتجنب عبد الله علي إبراهيم صدرت في السودان عن دار الخرطوم للصحافة والنشر الطبعة الثانية من كتابي الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر. وهو موجز وافي تقريباً لصورته الأخرى في الإنجليزية وعنوانها هذيان مانوي: تحرير القضائية الاستعمارية الثنائية والإحياء الإسلامي في السودان، 1898-1985 (بريل 2008). ويحاول الكتاب الخوض في شأن أسلمة الدولة المستقلة عندنا بعد 1956 على ضوء مدرسة ما بعد الاستعمار ( وهي منصة أكاديمية يسارية) بما يتجاوز التأجيج العلماني الذي اكتنف هذه المسألة منذ بروزها على السطح. وسيجد القارئ إنني رددت زحف الإسلام الموصوف بالسياسي إلى أصل في جغرافيا الدولة الاستعمارية أحسن وصفها المفكر الفرنسي (من أصول مارتينكية سوداء) وسماها بالجغرافيا المانوية. وتنقسم بها المستعمرة إلى فضاء حديث وفضاء تقليدي متشاكسين ضربة لازب. ولم ننجح بعد الاستقلال في تفكيك هذه الجغرافيا بإرادة وطنية غراء واعية. وأضطرب أمرنا وظللنا نتخبط في إسار هذه الجغرافيا بدلاً من تجاوزها إلى بناء الوطن المعافى من عقابيل الاستعمار. وحرصاً على أن يقرأ الكتاب من في الاغتراب ولا سبيل لهم في الخرطوم إليه أنشر هنا فصله الأول منجماً. ويبدأ الفصل بسؤال قديم رن في كتاب زكي مصطفي عن قانون السودان القائم على القانون العام الإنجليزي (1971) وهو: ألم تكن الشريعة أولى بأن تكون هي قانون السودان على عهد الإنجليز حتى بشروط العدالة والوجدان السليم التي جعلوها مبدأ سامياً للقسط. وأردت باستعادة السؤال المحير تفكيك عقائد صفوية استقرت عن بؤس الشريعة كنظام حقوقي. وهي عقائد لم تقع لنا اجتهاداً منا وكدحاً بالفكر بل بالتابعية نطأطأ لها جبراً ونتبناها اعتباطاً بما عرف ب الاستشراق الداخلي. لن تلتزم عناوين المنشور من الفصل منجماً بعناوينها الأصلية). وفي هذا الجزء الثاني بحث في الجذر السياسي الثقافي بتجنبنا الشريعة وأخذنا بالقانون الوضعي المستمد من القانون الإنجليزي. فلو لم تتنصر المدرسة القانونية الإنجليزية التي تستهين بالشريعة في الهند على الأخرى التي ترى فيها أساساً لا بأس به للبناء من فوقه، لربما طبق الإنجليز بعض أقباس عدل الشريعة في الهند والسودان معاً وعلى سائر بلاد المسلمين. وبيان هذا في ما يلي: اصطرعت في نهاية القرن الثامن عشر مدرستان استعماريتان فيما تعلق بالتقليد القانوني الهندي قبل استعمارها. والمدرستان هما مدرسة الدولة الثيوقراطية الدينية والتي تزعمها ورن هيستنق، الحاكم العام للهند في عام 1772م. فكانت هذه المدرسة ترى أن دولة المغول المسلمة قبل استعمار الهند كانت قد أسست قواعد مفصلة للسلوك لها قوة القانون. ونظرت هذه المدرسة بجدية في شريعة المسلمين وسننهم القضائية واعتبرتها أساسًا طيبًا لتطوير المؤسسات العدلية البريطانية الاستعمارية. ومن الجهة الأخرى، وجد زرع الأفكار والطرق الغربية في صلب المؤسسات الشرقية معارضة من المدرسة الأخرى. وهذه المدرسة مما يمكن وصفه بمدرسة الدولة الشرقية الطاغية. فأهل هذه المدرسة يعتقدون أنه لو كان للهند شريعة (إسلامية) أو (هندوكية) سبقت قدوم الإنجليز فإنها شريعة الحاكم الطاغية المستبد العشوائي. وقد وُصِفَت هذه الشرائع الموروثة باعتمادها على منطوقات القضاة لا على قانون ثابت مستقر. وعليه فالشرائع الهندية التقليدية، في نظر أصحاب هذه المدرسـة، هي خبط عشـواء واعتسـاف لقيامها على أمزجة القانونيين لا نصـوص للقانون. وانتهي اصطراع المدرستين بانتصار مدرسة الدولة الشرقية التي لا ترى أي ميزة أو نفع في شرائع أهل المستعمرة الهندية القديمة. وتمثل هذا الانتصار في الإصلاح القضائي الذي جرى في الهند في عام 1864م. وهو الإصلاح الذي جفف كل اهتمام أو بحث في شرائع الهند التقليدية إسلامية وغير إسلامية. فهذا التشريع جعل الهند حقلاً باكرًا خالصًا لتزريع القانون الإنجليزي العام بدون إيلاء أدنى اعتبار لتقاليد الهنود القانونية. وهكذا جاء الإنجليز إلى السودان وهم في حال جفاء مستحكم تجاه الشريعة الإسلامية ومزودين بالقوانين الهندية المتأصلة في القانون الإنجليزي العام. وقد ساغ لهم تجاهل الشريعة في إنشاء قوانين السودان الجنائية والمدنية الحديثة لأنهم كانوا قد أطاحوا بطاغية شرقي هو المهدي عليه السلام الذي صوروه بأنه رأس دولة باغية فاسدة قائمة على الفوضى والظلم. وقد صور تدمير هذا الحكم الشرقي المهدوي للإنجليز بأن عليهم أن يبدؤوا حكمهم في السودان من الصفر. فلم يكن هناك حسب اعتقادهم ثمة نظام إداري مستحق للاسم يبنون السودان الحديث من فوقه. وكما قال زكي مصطفى فقد تهيأ للإنجليز أنهم بصدد خلق كل شيء، وعلى رأس ذلك النظام العدلي، من جديد. ولذا لم يكن ممكنًا للسودان أن يتفادى مصير تبني القانون الإنجليزي العام في صورته الهندية. فقد كان الإنجليز يظنون أن قانونهم هذا هبة يمنون به على أهالي المستعمرات غير الأذكياء. انتهينا في السودان إلى قوانين جنائية ومدنية متأصلة في القانون الإنجليزي العام في نسختها الهندية. فقد جرى تبسيط وتكييف للقانون الجنائي الهندي وتم اعتماده في السودان. وقرر الإنجليز أنه لا الشريعة الإسلامية ولا القانون المصري ولا حتى القانون الإنجليزي العام بصالحة في كلياتها لاستنباط قانون مدني سوداني. وبناء عليه تضمن القانون المدني نصًا مستفادًا من الهند وجه القضاة أن يستعينوا لدى النظر في النزاعات المدنية بأي قانون يصطفونه طالما لم يصادموا أو يفارقوا العدالة والإنصاف وأمالي الوجدان السليم. وهنا مربط الفرس. فقد استخدم القضاة الإنجليز والرعيل الأول والثاني من القضاة السودانيين هذه العبارة، الداعية إلى الإبداع والرحابة، لفرض القانون الإنجليزي العام فرضًا في السودان. واستغرب زكي مصطفى كيف التوى هؤلاء القضاة بهذه العبارة السمحاء حتى أدخلوا من خلالها القانون الإنجليزي العام وحده في متن القانون السوداني دون القوانين الأخرى مثل الشريعة والقانون المصري.
671 .1 K
آليات صنع البدائل-وزارة التربية والتعليم نموذجا-ج١

آليات صنع البدائل-وزارة التربية والتعليم نموذجا-ج١

أ. عوض عطا * بإراداة واعية تجتهد الأنظمة الديكتاتورية لإعطاب مصانع صناعة البدائل وإعدام آلياتها * وبالنظر لعدد السنوات التي قضاها نظام المؤتمر الوطني في الحكم فليس بمستغرب وصول حجم الافقار والاعدام للبدائل لما هو عليه الآن * الهاجس الذي ظل ينتظر مرحلة مابعد التغيير ليس البديل فقط وإنما :- ١- مناسبة البديل للتغيير ٢- وفرة بدائل تسمح بمفاضلة من تلك الخيارات * والتحدي الأكبر الذي ظلت تواجهه غالب الثورات هو تحدي الانتقال من مرحلة الثورة الى مرحلة الدولة فهي المرحلة التي يتم فيها ترجمة كل المباديء والاهداف التي كان الكفاح لأجلها * من المؤلم في هذه المرحلة والتي تتطلب الدفع بأصلب العناصر وأفضل الخيارات يؤثر الكثيرون ممن صنعوا الحدث وأحدثوا التغيير الزهد عن التكاليف وبعض ممن يقبل منهم يقبل على مضض " وبعد حرامات وطلاقات " * ماظل يخفف على الشارع مايعانيه في الجانب الاقتصادي والمواصلات وغيرها من أنواع المعاناة حملة التطهير بشكل عام وعلى وجه التحديد تطهير الخدمة المدنية من منسوبي النظام * التعليم يعتبر اكبر قطاع للعاملين في الخدمة المدنية وتطهيره يحتاج لآلاف الاداريين في "الوزارة الاتحادية والوزارات الولائية وادارات التعليم بالمحليات ومديري المدارس والوكلاء و....الخ " فقطعا الاحتياج لهذا الكم في ظل زهد البعض وتسلق آخرين سيرسم العديد من علامات التعجب والاستفهام حول مدى مناسبة البديل للتغيير الحل * الحل يكمن في :- ١- اجراء عملية تأهيل للبدلاء ٢- مناقشة المستعصمين بفكرة رفض التكاليف في بعض المناصب ٣- اجراء فرز ثااااني
647 .1 K
ذبذبات يسارية

ذبذبات يسارية

حَواريون في ظل الصُنط: في ردهات طويلة بعض الشئ تحيطها الجدران الاستعمارية الطراز و التي تكونت في حقب سالفة من ذكريات الشعوب السودانية ابان فترة الحكم الانجليزي المصري تشكلت أجنة المعرفة و الحياة الاجتماعية الحديثة وسط جموع الشبان أصحاب الملامح الزنجية و الالسن العربية ، وكثيرا ما تسألت كيف كان احساس أول طالب ؟ يجلس علي منضدة الرجل الابيض التي أتى بها من غابات افريقياوشكلها بحيث يعيد انتاج عقولهم لتستوعب منجزاته ، تلاميذ يحتشدون أمام رجال يتحدثون بلغة مختلفة فبدل أن كان آبائهم يتعلمون في ( رواكيب ) من قش يجلسون علي التراب الذي يعطن بالماء ليصبح باردا في فترات الظهيرة التي تلفح سمومها ألسنتهم التي تنطق بحروف عربية وآيات من القرآن وبعض الاعداد التي تساعدهم في عد جولات المحاصيل او منصرفات الحقول لتكون الخلاوى أو كما أسموها الكُتاب ابان فترة الحكم التركي المصري هي المؤسسة التعليمية السائدة في تلك الفترة ، و الخلاوي كما أشجار الصُنط التي تنبت في السّافنا الفقيرة ممتدة و متفرعة ولم يؤرخ أحد وجودها . الا أن هناك مقولات تاريخية تشير الي انها ظهرت في "فترة حكم الشيخ عجيب المانجلك 1570 -1611" 1 وتقول رواية أخرى أن برشمبو هو الذي بدأ بوادر التعليم الديني عندما " قام بتحويل كنيسة دنقلا العجوز الى مسجد في مايو (1317م)، ولم يجد هذا التحويل اي نوع من المقاومة "2 وانتشرت الخلاوي في السودان التي تشبعت بريح مصر وثقافتها الدينية فكان المشايخ مالكييّ المذهب بجلابيب طويلة و عمامات ٍتشبه تلال الرمل في صحراء بيوضة لتكون هذه جذور المؤسسة الدينية في السودان ، ولم يجد المستعمر عناءاً في الحفاظ علي هذه المؤسسات فجذّرها داخل المجتمع وعمل علي بناءِها لمصحلته من أجل الاستفادة من كل الموارد البشرية وغيرها في السودان . و شهدت فترة الخديوي عباس باشا بناء أول مدرسة علي النسق الحديث وأطلق عليها مدرسة الخرطوم الابتدائية شرق ولكنها لم تستمر طويلا فقد تم اغلاقها . "في عهد الخديوي اسماعيل وبناءاً علي التقرير الذي كتبه رفاعة رافع الطهطاوي، علي مدي استعداد ورغبة السودانيين لتقبل التعليم وتطويرانفسهم ، عملت الحكومة المصرية ، بترغيب الذين درسوا بعض العلوم الاسلامية والعربية مثل: القران الكريم ،والحديث، والنحو، والصرف، والفقه، للانتساب إلى الجامع الازهر، لإكمال دراستهم فيه لمدة ثلاث سنوات حتي يتقنوا العلوم الدينية والعربية وتزداد ثقافتهم العربية ، ومن ثم يعودون الى السودان، ليكونوا هم حملة رسالة الثقافة الاسلامية والعربية، ودعاة لتقويم الدين ،وعكس كافة المناهج التي درسوها في مصر في مدارسهم ومساجدهم"3 نلاحظ ان بوادر الاثر المصري ظهر علي المتعلمين من أبناء المجتمعات السودانية والذين شكلهم التاريخ في هذه اللحظة ليرسمو ملامح مستقبل مبهم للذين أتو من بعدهم وهذا ما يمكن ان أسميه ( جذور الحداثة الاستعمارية ) فيد الاستعمار هي التي صاغت هذه الانوية للنظام التعليمي الحديث في تاريخ الدولة السودانية فظهرت المدينة بظهور النشاط الاقتصادي المرتبط بالتجارة الي تحولات جذرية في المجتمع . لم تكن المهدية سوى ساحبة صيف أطلت فوق سماء ام درمان ثم غادرت دون أي ملامح سوى أسماء تمسكت بها أحياء البقعة كما يتمسك طفل صغير بثوب امه وسط الزحام ، ولكن ما يمكن قوله ان المهدية كما جُبتها المرقعة التي يرتديها الدراويش فلم تقوم بمعزل عن طريقة الحكم المركزية للاتراك بل عملت علي تكسير ما أنجزه الاتراك من مؤسسات ولأن الصوفية ورجال الازهر بينهم نوازع شر أوقف المهدي كل أنماط التعلم التي أتى بها الاتراك ، وجعل المسيد هي قبلة المتعلمين و فنارة يتوجه إليها طلابه وأعاد للصوفية كفتها ، الا أنه كان من جانب الاقتصاد كان امتدادا للتركية التي قام باسقاطها وهذا ما جعل بعض الاسر تحتفظ بمكانتها وامتيازاتها التي حصلت عليها من التركية وهم الذين استقطبهم المستعمر عبر التعليم وادراجهم في هيكلته الادارية . قبعاتُ قش و أوجه نُحاسية اللّون : بحنكة الرجل الابيض المتمرس في بناء المستعمرات و بعقلية اداتية عالية التصميم عمل مستر جيمس كيري الرجل البريطاني الذي عُين أول وزير للمعارف علي تصميم منهج يجعل من السودانين ذوات منفصلة عن مصر ولأنه كان يعلم أن الثقافة و الممارسة السياسية في شمال الوادي كانت مستفحلة وأن المصريين أكثر دراية و معرفة من هؤلاء الذين يسكنون في بيوت الطين و القصب وهم مجرد طفيليات نبتت علي ضفاف التركية ابناء تجار وصغار جامعي الضرائب و ابناء أمراء الانصار الدراويش" في هذه المرحلة عملت السلطات البرطانية في السودان لقطع الصلة بين السودانيين والتعليم المصري ، حيث ارسل مدير معارف السودان نائبه المستر كراو فوت علي رأس بعثه إلى مصر عام (1901م)؛ لجمع الطلبة السودانين - بالأزهر -ليكونوا نواة لطلبة كلية تدريب المعلمين والقضاة ، الى جانب تحويل جامع ام درمان الى معهد علمي علي قرار الجامع الازهر ، اضافة إلى تركها جنوب السودان لنشاط البعثات التبشيرية التي نجحت في صبغ الجنوب بصبغة ثقافية ودينية مغايرة لابناء الشمال"4. لذلك كان لابد من هذه القطيعة في النظام التعليمي بين مصر و السودان ، وهذا ماتم عندما دخلت جيوش الانجليز علي جماجم دراويش المهدي و سارت مراكبهم النيلية علي دماء الامراء و النقباء ، و سكة الحديد صممت " فلنكاتها " علي الايدي التي قطعت رأس غردون ، لذلك كان لابد من أن يظل غردون مذكورا في تاريخ هذه البلاد وتكون كلية غردون التذكارية هو أول صرح نبت علي فلوات الجهل السودانية كما كان يتصورها اللورد سالسبوري رئيس وزراء برطانيا آنذاك ليكون منبعا لفيالق الحركة الوطنية وشاهدا علي ميلاد رعيل صممت أدمغتهم بالطوب الاحمر المحروق داخل أفران الاستعمار بأوجه نحاسية بعد أن إلتحفها هجير الش��س و بقبعات القش التي كان يستخدمها الضباط الانجليز بدأت اليد الاستعمارية في اعادة صياغة الحياة الاجتماعية . وبالرغم من ان بريطانيا سعت الي ان يكون التعليم منفصلا عن مصر الا انها لم تستطع أن تتخلي عن المعلمين المصريين فقد كان مستشاره الاول هدايت بك و الذي استعان بالاساتذة المصريين في تلك الكلية – غردون التذكارية - و المدارس التي أنشأت فيما بعد في تعليم السودانيين . نلاحظ في هذه المرحلة التاريخية وجود تيارين من المتعلمين و أصحاب النفوذ و غيرهم من الذين يمكن تسميتهم (بالنخبة السودانية) في ذلك الوقت ، نوع : هم الذين ارتبطو بالتدين الشعبي و بالطرق الصفوية و زعماء القبائل وهم الذين كانو دوما قريبين من يد المستعمر لارتباط مصالحهم مع مصالحه ويمكن أن نطلق عليهم النخبة التقليدية وهذه النخبة وجدت نتيجية للظروف الاجتماعية و طبيعة العلاقات الاقتصادية الموجودة في تلك الفترة " ارتمت القيادات التقليدية في أحضان الاستعمار. ففي البداية ارتكز الاستعمار البريطاني-المصري على قادة طائفة الختمية لتوطيد نفوذه وحكمه. ومع نشوب الحرب العالمية الأولى وبتحول مصر إلى محمية وباشتعال الحركة الوطنية بها بدا أن استقلالها قريب، وبالتالي أصبح تقليص النفوذ المصري في السودان ضرورة للبريطانيين. فاتجهت بريطانيا إلى المهديين بصفتهم معادين لمصر وتركيا. واستخدمت بريطانيا سيد عبد الرحمن المهدي لتعبئة وتحريض المسلمين ضد تركيا. هرول المهدى على الفور لتأييد البريطانيين وحرض ضد الشبان الأتراك قادة (هيئة الاتحاد والترقي) بصفتهم كفرة وادعى أن مصلحة السودان مع بريطانيا. ووسع المهدى من مؤسسته الزراعية على جزيرة آبا التي كان يستخدم موسم حج أتباعه لها كمصدر للعمالة الرخيصة وكسب أموالاً طائلة. ثم سافر المهدي إلى لندن وقدم سيف المهدي كهدية إلى الملك جورج الخامس كتعبير عن الولاء"5 صَح يا كَنارُ : بينما كان الباشا سعد زغلول بشاربه المتزن يضع طربوشه و بجاوره عبد العزيز فهمي و علي الشعراوي على طاولة واحدة مع المندوب السامي كان بعض الفتية في الخرطوم يحاولون بطريقة ما أن يكون لهم شأن في وضع اللبنات الأولى لحركة تعبر عن تفكيرهم ورؤيتهم التي بالتأكيد كانت تتأثر بثقافة وادي النيل فكانو ينظرون الي قضية التحرر أنها تجمع مصر و السودان معا ، ترى كيف كان تفكير علي عبد اللطيف ؟ وهو يجالس عبيد حاج الأمين كيف كان ينظر الي شوارع أم مدرمان ؟ ترى هل كان ينظر الي الموردة علي أنها الدُقي أم كانت العرضة تراوده علي أنها الجيزة ؟ كل ذلك بالتأكيد لا يقلل من مجهود اللواء الابيض ولا امتداداتها في مدن السودان مثل شندي و بورتسودان و عطبرة وهنا تظهر بذور حركة منفصلة عن الطابع الديني للمقاومة و تقوم علي أساس جديد متسم بروح الوطنية حتي وان كانت قاصرة لكنها تحمل مدلولات ذات طابع يساري مرتبط بالموظفين و الطلاب ولكنها مصابة بالضعف و الوهن لانها لم تصمد أمام المد الطائفي الذي كان يتمثل في الختمية و الانصار " رغم بداية الحركة الوطنية علمانية الطابع، إلا أن القيادات التقليدية الطائفية سرعان ما نجحت في استقطاب “الخريجين” . وسقط المؤتمر فريسة للتناحر الطائفي بين الختمية وأنصار المهدى. فكون إسماعيل الأزهري حزب الأشقاء المرتبط بالختمية منادياً بالوحدة مع مصر في 1943، وفى المقابل أسس عبد الرحمن المهدى حزب الأمة المرتبط بطائفة الأنصار الذي عادى الوحدة وطالب بسودان مستقل عن مصر. طالب المؤتمر بتوسيع التعليم والفرص التجارية للسودانيين وتأميم مشروع الجزيرة. لم تجد الدعاية الوطنية أي صدى في الجنوب، فلم يهتم الوطنيون بمسألة تخلف الجنوب، ومنذ البداية طالبوا بأسلمته وتعريبه وعدم فصله إدارياً عن الشمال ليكون جزء من سودان موحد ومستقل. جاءت نهاية المؤتمر عام 1945 باكتساح الأشقاء/ الختمية لانتخاباته بدعم وتمويل مصري وانسحب الأنصار منه وبقى المؤتمر مجرد واجهة حتى دمجه في الحزب الوطني الاتحادي الذي أسسه الأزهري بالتحالف مع الختمية عام 1952"6 . ومن هنا يمكن القول أن النظرية السياسية في السودان أسست علي مبدأين : الأول التحالف من أجل الكسب فما قام به المثقفون بعد فشل ثورة 1924 في التحالف مع القوى الطائفية خير دليل علي ذلك " وبدأ السؤال يلح علي ذهن المتعلمين : كيف الوصول الي تلك الجماهير؟ ونبعت الاجابة عليه من خيبة الأمل التي مني بها المثقفون بعد هزيمة 1924 ، ومن رسوخ نفوذ القيادات الطائفية و القبلية ، ومن ضغط السياسة الاستعمارية ، ومن لهفة البرجوازية الصغيرة وتعجلها للنتائج وهي التي تصوغ ايدولوجية المجتمع . ومن كل هذه العوامل تشكلت الاجابة علي السؤال ، التي تمثلت في تطلع المتعلمين الي التعاون مع الطائفية ، باعتبار ذلك أقصر الطرق التي يمكنهم التوسل بها للجماهير " 7 . اذن يمكن القول أن التيار الذي كان يتسم بروح الحداثة سقط في فخ القوى التقليدية فبدل أن يتوجه الي تأسيس قاعدة قوامها العمال و الطلاب و الطلبة الحربيين وغيرهم من البرجوازية الصغيرة ذاب في التيار التقليدي ومن هنا أسست الحداثة لأن تعيد انتاج القوى التقليدية بكل محمولاتها وهذا ماشهدت الديمقراطية التي قتلت بأيدي الطائفتين في عام 1958م عندما سلم عبد الله خليل الحكومة لعبود ، وعندما تم طرد الجزب الشيوعي من البرلمان أيضا . من خلال ما كشفته الاحداث يمكن القول أن نشأة التيار اليساري في السودان الحامل لقيم الحداثة و الديمقراطية و العلمانية قد بدأ عام 1924 م ومرورا بظهور مؤتمر الخريجين 1938 م الذي دخل والتحم مع الطائفية كما ذكرت سالفا وهو ما أسميه (التيار اليساري القديم ) . وهذا يعيدنا الي فهم هذه النخبة للدور الحديث الذي كانت تقوم به من خلال فهمها للحداثة وهذا يقود الي طبيعة التعليم نفسه وطبيعة الاستعمار الذي خلق هذه الحداثة داخل بنية تقليدية ولم يقم بحمايتها من هذه البنى فنجد اضراب 1931م الذي قاده طلاب كلية غردون قد تم اخماده عبر تدخلات من عبد الرحمن المهدي وهذا يكون أول تقول علي المؤسسة الجامعية الحديثة و أول ظهور بوادر اتجاهات سياسية للطائفة في السودان . أما الذي يمكن أن نقول عليه أنه التيار اليساري الحديث ، ومصطلح حديث وقديم هذا لا يدخل ضمن التعاريف المفهومية للمصطلحين انما اشير عند استخدامهما الي المعنى الزماني للمصطلحين ، ونتيجة كل منهما فالقديم الساقط في فخ الطائفية قاد الي أن يظهر البنية التقليدية و الحديث عمل علي مستوى الطلاب و العمال وبسقوط التيار اليساري القديم ظهر الحديث كاشارة الي أن المجتمع يفرز قواه الاجتماعية ونجد ذلك في مقال عبد الخالق محجوب الذي نشر في صحف الخرطوم ردا علي بعض الدوائر التي نشرت بيانا مزيفا عن الشيوعية " فى نهاية الحرب العالمية ، عندما دب الوعى الوطنى فى أرجاء بلادنا ، انتظمت كغيرى من الطلبة المتحمسين فى غمار هذه الحركة يحدونى أمل ، هو المساهمة فى تخليص بلادى من نير الاستعمار . تحدونى حالة الفقر والبؤس التى كان ومازال يحس يها المواطنون المتطلعون الى غد مشرق ، ملىء بالعزة والكرامة . وقد علقت الآمال حينذاك على زعماء حزب الأشقاء ، فى تحقيق تلك الأهداف التى آمنت بها . وهكذا وبمثل تلك الآمال العريضة ودعت وفد السودان (لمفاوضات الاستقلال) فى مارس 1946 ولكن هذه الآمال العراضة والأمانى الحلوة بدأت تتضاءل أمام ناظرى . فى القاهرة ، وبعيدا عن أعين السودانيين . دب التراخى فى بعض هؤلاء الزعماء ، واستسلموا لراحة الشخصية . وفى غمار هذا الواقع الجديد تناسى الزعماء ما قطعوه على أنفسهم من أن "قضيتنا لا يحلها الا الذين ودعونا فى الخرطوم ، واستقبلونا فى القاهرة ." تساءلت ضمن عدد من الشباب عن سر هذه التحولات التى طرأت على مواقف الزعماء ولا يدرى الشعب كنهها " 8 طُلَاب المَشّانِق : ويرتبط ظهور الحركة الشيوعية في السودان بالطلاب ، فقدحهم المعلى في الاحتكاك بالمعارف و بالاحداث الاقليمية و الدولية اكبر واكثر التصاقا بها ، فزادت درجة الوعي لديهم و القدرة علي التنظيم و الحركة ، " فتدرب مجموعة من الطلبة السودانيين في مصر علي أسالايب العمل الجماهيري و السري في تلك المنظمات . ووفرت الحركة الشيوعية المصرية للمثقفين السودانيين الادب الماركسي و اليساري عامة . وتعلمت الحركة الشيوعية في السودان من أخطاء الحركة الشيوعية المصرية التي أدت الي تفشي الانقسامات بينها نتيجة انكفائها علي المناقشات بين حلقات المثقفين " 9 بالاضافة علي العوامل الخارجية التي اسهمت في نشوء التيار الماركسي هناك أيضا عوامل داخلية أسهمت في ظهوره من بينها "ظهور الحركة النقابية الوليدة وبين مزارعي الجزيرة. ولدت الحركة النقابية في يوليو 1946 بتأسيس “هيئة شئون العمال” التي كان في طليعتها عمال السكة الحديد. تأسست النقابة في عطبرة وليس هذا من قبيل الصدفة، فعطبرة مركز رئيسي لخطوط السكك الحديد السودانية، ومثّل العمال وعائلاتهم حوالي 90% من سكان المدينة البالغ عددهم 40000 نسمة، واتسمت المدينة بضعف العلاقات القبلية والطائفية. كان لعمال السكك الحديدية ثقل كبير في الاقتصاد السوداني والذي كان يعتمد بشدة على السكك الحديدية في نقل السلع والمنتجات والجنود والمواطنين ، وكذلك سع في نظام التعليم وأنشأت العديد من المدارس الثانوية بالإضافة إلى فرع لجامعة القاهرة، وأصبحت المدارس والجامعات مراكز للدعاية والتحريض ضد الاستعمار، ونجح الشيوعيون في اختراق اتحادات الطلبة "10 بعد الانتشار التعليمي الذي حدث في جميع انحاء السودان ، ومع ازدياد المدارس الثانوية و عدد من المدارس الفنية و المعاهد و كذلك النقابات و التي كان لها فيما سيأتي من أحداث . الطُلاب طلائع نصر : يمكن أن نقول ان دور الطلاب في ثورة 1964 كان دورا حركيا فقط بحيث أنها لم تقم بحماية الديمقراطية من تقول الاحزاب أو تتحكم في مسألة استمرارها ، ويحسب لها اهتمامها بمعالجة مشكلة الجنوب بصورة إجتماعية لتضع حلولا وسياسات طويلة الأمد ترمم العلاقة بين الشمال و الجنوب . وما حدث في ندوة ( التقيم العلمي لمسألة الجنوب ) وما تلتها من أحداث ينعكس دور الطلاب بصورة واضحة في هذه النقطة بالتحديد ولكن ما كان يشكل اخفاقا هو الاليات التي لم توجد من أجل تنفيذ ما تم وضعه من حلول ومسألة الاليات هي المسألة التي ظلت تعاني من الحركة الطلابية اليسارية خصوصا في هذا الشأن ، وبالرغم من الشمولية الا أن الطلاب قامو بشكل ما كل أنواع القيود ولكن النظام السياسي في تلك الفترة اول ما فعله من اجل تحطيم مؤسسة الجامعة هو تدمير إستقلالية الجامعات بحيث أصبح مدير الجامعة يتم تعيينه بصورة مباشرة من وزير المعارف وليست انتخابية من مجلس الاساتذة " أجبرت الهزائم المتتالية في الجنوب النظام على فتح الموضوع للنقاش أمام الرأي العام. فاستغل الطلبة تلك الفرصة ونظموا اجتماعات في ساحات الجامعات لمناقشة القضية. سرعان ما تحولت النقاشات إلى تحريض ضد النظام، وبالرغم من تحرك النظام لمنع الم��اقشات قرر الطلبة استكمالها. في 21 أكتوبر 1964 تدخلت قوات الأمن لفض إحدى الاجتماعات. فاشتبك الطلبة الشيوعيون والإخوان المسلمون في صدام عنيف مع القوات التي قتلت طالباً وجرحت العديد. تحولت جنازة الطالب إلى مظاهرة مشتعلة قوامها 30000 شخص، ثم أنضم المهنيون للطلبة وأسسوا ‘جبهة الهيئات’. وزادت حدة المظاهرات يواكبها زيادة حدة قمع الشرطة. وأسست الأحزاب الطائفية في المقابل ‘الجبهة الوطنية’ لتوازن قوى المهنيين. وأخيراً جاء تدخل النقابات العمالية تحت قيادة الحزب الشيوعي السوداني واشتعال إضراب عام في الخرطوم والمدن الرئيسية الأخرى بمثابة القشة التي قصمت ظهر بعير النظام العسكري. شل الإضراب العام الحياة تماماً في العاصمة التي تدفقت عليها أعداد غفيرة من المواطنين. وعجزت المؤسسة العسكرية عن التعامل مع الموقف، إذ تعاطف صغار الضباط مع المنتفضين ورفض الجنود الاستمرار في قمع الانتفاضة. وفى النهاية سقط نظام السفاح عبود وتسلمت جبهة الهيئات إدارة البلاد وتكونت الحكومة الجديدة في 26 أكتوبر"11 لم يواصل الطلاب حمايتهم لمكتسبات ثورتهم فاليسار الطلابي أصبح رهينا لابوية الحزب الشيوعي الذي ينتهج الديمقراطية المركزية ، وهو ما سبب في إختزال اليسار الطلاب وأصبح مجرد امتداد لطبيعة العمل السياسي الخارج بدلا أن يكون حركة اجتماعية نقدية . و الاخفاق الاكبر الذي يمكن أن نقوله بشأن الحركة الطلابية اليسارية يكمن فيما حدث من سقوط لليسار عام 1969 حتى وان كان بشبهةٍ في فخ دعم الانقلاب العسكري علي الديمقراطية ، هذا الامر جعل من اليسار الطلابي تابعا وجعل من حركة الاخوان المسلمين تستغل الموقف لتبلور وضع جديدا سمح لها فيما بعد دخول العملية السياسية ولعب ادوار مهمة توجت بإنقلابهم علي الديمقراطية عام 1989م . ذبذبات يسارية : هنا تكون الدائرة قد اكتملت و رسمت ملامح واضحة لحركة الطلاب أو يمكن أن نقول ( الحركة الطلابية ) بتيارها اليساري و التي ستلعب دورا مهما في مسار التاريخ السياسي السوداني ، بجانب تيار اليمين الذي لم يكن تطوره بعيدا عن تطور اليسار في السودان فمصر أيضا شاركت في تحديد ملامحه المستقبلية ، ويمكن لنا أن نقول أن اليسار الطلابي : قد اعتكف علي ممارسة السياسة ولم توجد تيارات معرفية تؤسس للعمل الطلابي داخل الوسط الجامعي وهي صفة مستلفة من مصر وهنا مربط الفرس وهي أن اليسار الطلابي كان أداة في يد الاحزاب و الحراك وهذا الثقب الذي حدث صار مثل طبقة الاوزون يتسع كل مرة مع مرور الأحداث ليفقد اليسار الطلابي هويته والتي تتسم بالثورة ضد الظلم و القمع ولكن تستند في أساسها علي المقولات المعرفية و الثقافية ، وتتجه نحو ماهو سياسي بمناظير النقد ، وهو ما قامت عليه ثورات عديدة للطلاب علي رأسها ثورة ماي 1968 الفرنسية "حيث يعتبرها إغناسيو راموني أحد قادتها ومدير جريدة لوموند : " ثورة ثقافية بتعابير سياسية " " 12 إن أردنا بحث جذور طبيعة هذه الازمة في الجامعة السودانية علينا أن نعود الي جذور فلسفة التعليم لدى الاستعمار فلاستعراض التاريخي للاحداث يوضح لنا ان الاستعمارين ( التركي – المصري و الانجليزي – المصري ) اتبعا منهجية في بناء النظم التعليمية و كان أكثرها تعقيدا عن الانجليزي الذي استند في إدارته علي بحوث انثربولوجية من اجل معرفة البنى الاجتماعية وطبيعة النشاط الاقتصادي و التصورات الاجتماعية و طبيعة علاقة السكان بالدين وأنماط التدين ، علي هذا الاساس قامت المؤسسات التعليمية من أجل القيام بدور أساسي ورئيسي في توظيف المجتمع من أجل خدمة المستعمر و يعتمد في هذا علي الفلسفة الوضعية و نموذج الحداثة الكلاسيكية التي تتخذ من الانسان موضوعا لها بمعني آخر ( السيطرة علي الانسان كجزء من الطبيعة ) وهذه هي البنية الاستعمارية للمناهج الاكاديمية . وهذه النتيجة مؤكدة في واقع ما بعد الاستعمار و حتي يومنا هذا ، بحيث أن التقدم و التطور نحو الحداثة لم يكن شرط أوجده المجتمع بما يتوافق مع خصائصه بل كان شرطا مفروضا عليه من قبل قوى استعمارية شكلت وصممت وضعية اجتماعية معينة و محددة واوجدت طبقات اجتماعية مستفيدة من هذا الوضع لذلك يمكن لنا ان نقول أن الاستعمار عمل علي إنتاج نفسه بصورة جديدة من خلال المؤسسات الحديثة وهنا يكمن التحالف بين التصورات الاجتماعية التقليدية و الحديثة فالثانية أوجدت فرصة للاولى من اجل اعادة تشكيل ظروف اقتصادية و سياسية واجتماعية تسمح لها بالبقاء و الاستمرار ، وهذه المؤسسات هي المؤسسات التعليمية ، فتعطلت روح النقد عند الطلاب و أصبحت الجامعات مجرد مصانع لاعداد الموظفين و الفنيين و كذلك السياسيين بعد الاستقلال فحتى عندما ظهرت أركان النقاش و التنظيمات السياسية و العمل الطلابي في صورته عبر الجمهوريين في جامعة الخرطوم لم تتحول الى نوع من أنواع الحركة النقدية وهذا بالتأكيد انعكاس جراء السياسات التعليمية " كانت سياسات الحكومة الاستعمارية تبنى لتحقيق الهدف الاستعماري الذي هواستنزاف خيرات السودان المادية ممجعلها تهتم بمواد معينة من العلوم والدراسات دون الأخرى. فقد كان الإداريون يوجهون أن يتجنب البريطانيون تدريس السودانيين المواد التي تشجع فيهم التفكير وروح النقاش. وكان فتحهم للمدرسة الصناعية وتشجيعهم الأعمال اليدوية ليس فقط بهدف إنشاء قطاع فني في السودان ولكن كما ظهر من تصريحات بعض الإداريين أن ذلك النوع من التعليم (التعليم الفني) لا يبعث فيهم روح النقاش والمجادلة بل يكون الفرد فيه متلقي أكثر من منتج وحتى عندما يمارس عملية التفكير فإنه يريد أن يصل إلى نتيجة معدة سلفًا. وإن كان هناك ابتكار فإن هذا الابتكار يكون بعيدًا عن مجال الحياة الاجتماعية بكونه يحدث في الطب أو الزراعة أو الصيدلة أو الأعمال الهندسية على العكس تمامًا من العلوم في مجال الحياة الاجتماعية المباشرة والتي تتناول السلطة والدولة وعلاقات الناس بهما مثل العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية الأخرى . فإنها لا محالة تجعل من الفرد إنسانًا مثقفًا بالفعل وداعية إنسانيًا وناقدًا ومحللا سياسيًا ومفكرًا وفيلسوفًا اجتماعيًا. فهذه الخواص للعلوم الاجتماعية هي التي جعلت المستعمر لا يشجع هذا النوع من المناهج والمواد الدراسية. وعندما كانت تدرس فإنها كانت تدرس من قبل أساتذة بريطانيين وبالتالي فهم يعكسون فلسفة ووجهة النظر، إن لم تكن الاستعمارية، فإنها لن تتناول بالنقد والتقريح سياسات وأعمال المستعمر"13 أسلمة الجامعة : بعد سقوط الديمقراطية الثالثة في السودان و استحوزت الجبهة الاسلامية علي الحكم عام 1989م ، بدأت في الاتجاه نحو الجامعات بسياسات مختلفة و ممنهجة ولانها تعلم أن مفاصل الحراك نحو الديمقراطية و الحرية هو الجامعات عملت علي تفكيك الاساس الذي تنطلق منه وهي المعرفة ، لذلك جاءت سياسات التعليم وفق لمخطط ظلت تلك اللحى تعمل علي حبكه ولانها أتت من نفس تلك السوح و القاعات الدراسية فإنها باتت تعرف مخبأ الثورة الكامن في عقول نيرة ومشرقة بروح العلم . عملت السلطة الاسلامية علي تعريب المناهج الذي كان بداياته منذ أيام حكم الفريق عبود الا انه في هذه الفترة كان بصورة آيدولوجية متعمدة وذات نوازع سلطوية من أجل تغيير المجتمع واعادة رسم ملامحه علي أساس اسلامي بحت ، فانتشرت الجامعات مثل خلاوي الاباء الاوائل لتحول مباني اللمدارس الثانوية الي مجمعات جامعية وهي من التمظهرات الاولية لانهيار التعليم العالي في فترة التسعينات ، ليؤثر هذا المناخ علي مستويات عديدة اولها واهمها الانتاج المعرفي و تشكيل وجدان مفارق للطلاب وانهيار مناظير عديدة مما سبب انهيار للنظريات الحديثة و اليسارية .
643 .1 K
سيارتكم سادتي القضاة

سيارتكم سادتي القضاة

سيارتكم سادتي القضاة: هل هي من رسوم طالب العدالة الجنائية؟ عبد الله علي إبراهيم فجعت جمهرة سودانية كبيرة وهي ترى في اجتماع رئيس القضاء، مولانا نعمات محمد خير، المطلب السماوي والسياسي باستقلال القضاء مضرجاً بمطالب "نقابية" في الدرك الأسفل من الشره. وبدا لنا أن النقابية النكراء اختطفت من القضاة معنى استقلال مؤسستهم حتى لم يند لهم جبين يعرضون شرههم على الملأ. واستقلال القضائية حق بالأمس واليوم والغد. ومجد الثورة أنها فتحت النقاش فيه بعد أن صمتت عنه القضائية لا تنم عن "بغم". فكت الثورة عقدة لسان القضائية وكان جزاؤها منها التلويح بالاستقالة، بغنائمها بوجه مشروع قانون لتنظيمها غير منزل. وطُرق النقاش حوله مفتوحة إلا من ضاق واستنفر القبيلة مما لا يخيل على حراس العدل، ولا يرقي مراقي الرصانة المحرية فيهم: أريد هنا أن أعود إلى مسائل في استقلال القضاء طرقتها في مقدمتي لكتاب "مقاربات قانونية" (2007؟) للمحامي المرحوم نجم الدين محمد نصر الدين الذي جمع فيه ما نشره في الصحف عن القضاء والعدالة. ولا أدري إن كانت هذه المسائل شاغلة ما تزال وكيف نقاربها، إن كانت ماثلة إلى يومنا، لنرد القضائية من تطفل النظم الديكتاتورية المتطاولة وما هدته عليها طلباً لتأمين حكمها. يسفر نجم في الكتاب عن غيرة مهنية. وهذا وصفه هو نفسه لما ينبغي أن يكون عليه حال المهني. وهذه عزيمة منه غراء في وقت تداعت فيه روح الجماعة المهنية spirit de corps. وهي الروح الموصوفة بأنها قوام المهنة وحارسة قيمها. ومظاهر غيرته هذه عديدة. ويستقي مادتها من غشيانه المحاكم والحراسات. ورغبت، طالما الكلام جاب الكلام عن استقلال القضاء، أن أذكر في خطوط عريضة معايب اتصف بها القضاء طأطأة منه لسخائم دولة الإنقاذ السياسية كما جاءت عند نصر الدين: *ساءه إلزام طالب العدالة الجنائية برسم مالي بصورة غير مسبوقة. وكان الأمر قديماً أن تعين الدولة من حالت ظروفه المالية دون طلب تلك العدالة. كما "ساقته مهنته" كما تجري عبارته إلى الحراسات فرأى مبناها الضيق الذي أصبح في حد ذاته عقوبة فعلية لمنتظرين للعدالة. *وانتقد قانون الإجراءات الجنائية لعام 1991. فوصفه بأنه ردة في ميزان العدالة حتى على قرينه لعام 1983 على عهد النميري. فقد جاء بنظام النيابة (وهو نظام مستمد من القانون الأوربي القاري مثل فرنسا ومصر) ورهن به إجراءات البلاغ والتحري وتقدير التهم. وكل ذلك كان بيد القاضي في إرثنا السوداني الإنجليزي. والنيابة مباءة. فهي جزء من الجهاز التنفيذي وتصلح به وتسوء به خلافاً للقضاء المصون بالاستقلال كفرع مستقل من فروع الدولة: تنفيذي وتشريعي وقضائي. ويُنذر إحالة التحري وأعرافه للنيابة بنذر السوء لمجرى العدالة في مثل الأوضاع المعلومة عن نظمنا التنفيذية القابضة. *وولدت القطة السوداء قطة سوداء. فقد أصبح للنيابات المتخصصة مثل نيابة البنوك أو سوداتل والعوائد والكهرباء محاكم متخصصة تعرض عليها البلاغات المقيدة بواسطة النيابة صاحبة الشأن. وعرض نجم متاعبه كمحام في أروقة تلك المحاكم التي فرطت في التحري وتركته للنيابة. وهي شكوى ترى بنفسك بها أن المحاماة اصبحت مهنة نكد حقاً. *ذكر في مناسبة احتفال القضائية بعيدها الخمسين بأن السياسة قد اقتحمت المهنة في ظل أنظمة شمولية طالت . . . واستطالت بالإنقاذ. فلم يعد يجدي تعريف عمل القضاء بالتجرد من السياسة. فقد اقتحمته السياسة عبر العقود الماضية. فقد أصبح إنشاء محاكم خاصة من غير القضاة الطبيعيين فاشياً. بل أصبح دمج القضاة في النظم السياسية الحاكمة ممارسة عادية. فقد جعل نميري رئيس القضاء عضواً بالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي وفَوَّجت الإنقاذ القضاة في متحركات الدفاع الشعبي. ناهيك عن تغول النيابات على اختصاصات القضاة التقليدية في الإرث القانوني السوداني الإنجليزي في القبض والحبس وفتح البلاغ وتجديد الحبس. فالقضائية قمينة بأن تحتفل لا بكر السنين بل بعكر السنين عليها حتى تستنهض قواها الباطنة للإصلاح. وهذه مهارة لم تسفر عنها القضائية أبداً كما خلصت إلى ذلك في كتابي عن تاريخ القضائية الصادر في الإنجليزية عن دار برل بهولندا في 2008. فالقضائية رهنت إصلاحها بتغيير النظم ثورياً لا بالسعي غير المنقطع للارتقاء بنفسها تدريجياً. *ونبه نجم إلى مسألة المحكمة العليا والمحكمة الدستورية. فقد كانت المحكمة الدستورية مجرد دائرة من دوائر المحكمة العليا ففتقتهما دولة الإنقاذ فتقاً له مترتبات على مقتضى العدالة. فالدستورية أصبحت رقيباً على أداء المحاكم وليس درجة من درجاتها كما يذهب البعض. وأصبح لها بذلك حق مراجعة الإجراءات في طور متقدم من أطوار التقاضي. وفي هذا تأخير للعدالة لأنه ينقض المادة 76 من قانون الإجراءات المدنية التي أمنت أطوار التقاضي من التعقيب حولها متى اكتملت ضمانة للسير الحسن الحثيث للعدالة. واصبحت هذه السلطة القضائية الرقيبة، أي المحكمة الدستورية، مقصودة من قبل المتمحكين من خاسري الأحكام ممن يتهددون خصومهم باللجوء للدستورية التي ربما بدأت المحكمة من أول وجديد. وهذا تكريه في طلب العدل عن طريق المحاكم لشبهة الدائرية فيه. أسفر اجتماع القضاة برئيسهم عن عاهة اعترت رجل الخدمة العامة والسياسية من المهنيين وهي الشره والخوض حتى الرأس في بحور الامتياز. ورأينا حدود السفه القصوى لهذا الشره في مثل "بدل الزوجة الثانية للإنقاذي. وارتبط هذا الشره بجدية سافرة ب"سيارة الحكومة": لك ولزوجتك الأولى والثانية ولترحيل الأولاد والتبضع من السوق. وكنت أنظر لدي زيارة أحدهم فيروعني قطيع السيارات المرابط عند الباب. وساق هذه الشره (الذي عجزت عن الصرف عليه حتى النظم المستبدة كسباً لرجل الخدمة المدنية والعامة) إلى التجنيب لتتصرف الوزارات والمؤسسات الحكومية في ما يليها من دخول حسبما شاءت لتروي غليل المترفين فيها من كبار الأفندية للحادات. وكسروا ولاية المال العام طق. لابد من عملية تخسيس للوظيفة العامة والمدنية. وأول ذلك أن تمتنع الحكومة، بعد دفع الأجر المجزي، عن ترحيل وسكن وعلاج ولبس وعطلات وكتب (؟) شاغل الوظيفة. أما الوجه الثاني فهو أن نعزل من الوظائف ما يكون بالانتخاب لتكون المساءلة أمام ناخب لا أمام مستبد يُعين متى شاء ويرف متى شاء في ما سُمى "استراحة المحارب". هذا باب لإصلاح الخدمة العامة والمدنية حتى تكون خدمة للشعب لا للطغم: نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد الصورة للمرحوم نجم الدين محمد نصر الدين المحامي مؤلف كتاب "مقاربات قانونية".
623 .1 K
الشرق - الإقليم المنسي 1-2

الشرق - الإقليم المنسي 1-2

في منتصف خمسينيات القرن الماضي قدم الدكتور طه عثمان بليه واحدة من أقوى المذكرات او الأوراق السياسية، ونادى هو ورفاقه في حزب مؤتمر البجا في بيانهم التاسيسى بإعتماد نظام حكم فيدرالى في السودان.؛ بإعتبار حق أبناء الإقليم في حكم نفسهم بنفسهم، وتناسب النظام المذكور مع طبيعة الدولة السودانية بتعددها الماثل. إذ أن السودان عصرذاك كان يعاني من سلطة ذات صبغة مركزية فجة. وبشكل يوضح مدى النضج السياسي قدم طه بليه روشتته تلك، وقد حوت وصفتها العديد من المطالب التي تصب في مصلحة أهل الشرق، وأهمها مطالبته بالتنمية المستدامة. وبالنظر إلى ما يعانيه الإقليم الآن، يستطيع كل شخص أن يدرك كم كان د. طه ذو نظرة ثاقبة وبعيدة. وهو الذي يعتبر أول من تنبأ بنزوح سكان الأقاليم إلى الخرطوم، ولو بعد مائة سنة إذا لم تتوفر لهم التنمية والخدمات من تعليم وصحة، وقد كان. ففي ظل سياسات مركزية تتجاهل مسائل كالتنمية المتوازنة وسياسات التوزيع المعقول؛ كان من المنطقي حدوث هجرات جماعية نحو الخرطوم والوسط وبالتالي تشكيل ضغط مضاعف على القطاع الخدمي المنهار بالأساس. وكذلك كان بروز أشكال التمردات والصرخات المطالبة بالقسمة وسياسات التوزيع العادلة للثروة والسلطة على مستوى الأقاليم والهوامش مسألة متوقعة أيضا، كما حدث بالفعل في الشرق. فقد ظل إقليم شرق السودان، منذ الإستقلال أسيرا للتهميش الذي تعاني منه كافة الهوامش السودانية. وبالرغم من الأهمية الكبرى للإقليم بإعتبار موقعه الجغرافي الذي يضم كافة المنافذ البحرية للبلاد، وطول حدوده البرية والبحرية، وأراضيه الزراعية وما يمكن أن تمثله من سلة لغذاء السودان، والموارد الغنية والثروات المكنوزة في أراضيه، إلا أن الإقليم ظل يعاني من عدم الإستقرار والتهديدات الأمنية، وويلات الفقر والمجاعات المتتالية، وإستيطان الأمراض، ونهب الثروات والموارد، والإقصاء من المشاركة السياسية، والمعاناة المعيشية والتمييز التنموي، وغيرها من سياسات التمييز التي وصمت تاريخ الدولة السودانية الحديثة. جيوبولتيك الإقليم وحدوده: يأخذ الإقليم الشرقي إسمه من تموضعه في شرق السودان، ويحده من الشرق البحر الأحمر ومن الشمال مصر، ومن الجنوب الشرقي إريتريا ومن الجنوب إثيوبيا، ومن الغرب الإقليم الشمالي والعاصمة القومية الإقليم الأوسط، وتبلع مساحته 110000 كم مربع. وتتمثل جغرافية الإقليم في ساحل يمتد إلى مسافة 700 كيلو متر تقريبا، يجاوره سهل ساحلي ضيق يمتاز بمناخ هو أقرب لمناخ البحر الأبيض المتوسط، تنبت فيه المراعي في مجاري الكثير من "الخيران" المنسابة نحو البحر الأحمر شرقا. ويلي الشريط الساحلي سلسلة من الجبال تمتد عموما من الشمال للجنوب وترتفع في بعض المناطق إلى آلاف الأقدام فوق سطح البحر، حيث تمتاز تلك المناطق بجو معتدل صيفا؛ وتفصل هذه السلسلة بين الشريط الساحلي وسهل داخلي يمتد غربا حتى حدود الإقليم، تتنوع فيه المراعي من سافنا فقيرة إلى النباتات الصحراوية وتجري في هذا السهل وديان هامة منها: وادي أمور والقاش ونهر ستيت ونهر عطبرة. والمهم وجدير بالذكر؛ هي سياسات الحواكير وملكية الأرض، إذ أن كل شبر من هذه الجغرافية تعود كحق تاريخي لمكونا ما، وهو ما سيتم توضيحه في الشذرة التالية التي سنتحدث فيها عن التركيبة السكانية للإقليم. التركيبة السكانية في الإقليم: يندرج سكان اقليم الشرق في عدة قبائل؛ تشكل قبائل البجا أقدمها وأكثرها عددا. ويطلق إسم البجا على مجموعات سكانية قطنت الإقليم منذ آلاف السنين وقد عرفوا بإسم "البلامي" في بعض فترات التاريخ. وقد كانوا حلقة وصل للطرق التجارية على البحر الأحمر بين مصر وشبه جزيرة العرب وااهند وبين موانئ باضع، وعيذاب وسواكن وداخل البلاد، وفد ظلت منطقتهم بمنجاة عن نفوذ الدويلات التي قامت في المنطقة حتى جاء الغزو التركي للسودان الذي سيطر على كل أجزائه رغم مقاومتهم له، وهي مقاومة إتخذت شكلا ثوريا منظما لدى أبناء البجا الذين تجمعوا حول عثمان دقنة، وكان ذلك مصاحبا لقيام الثورة المهدية في السودان حيث تلتجكت الثورتان بإنضمام عثمان دقنة إلى الثورة المهدية، ومن ثم صار أمير الشرق؛ فشدد الخناق على الحكم التركي. والبجا يتكونون من عدة قبائل تتوزع في الإقليم، ففي الشمال نجد البشاريين وبعض بطون العبابدة وهم عشائر حدودية. ويتركز البني عامر والحباب علىالحدود الجنوبية وهم جماعات لها إمتدادات في إريتريا وإثيوبيا، ونجد قبائل الأتمن والأمرأر في الجزء الشمالي الأوسط من الإقليم، والهدندوة في الجزء الجنوبي الأوسط، ونجد الأرتيقة والشئياياب والكميلاب والأشراف يتوزعون في منطقة تبدأ من سواكن حيث نجد السواكنية وجنوبا حتى خور بركة ونجد الحلنقة والملهيتكناب في كسلا وما حولها. ومن قبائل الإقليم كذلك قبائل الشكرية التي تستقر في المنطقة الجنوبية الغربية من الإقليم. ثم بعذ ذلك نتج عن بعض الهجرات الخارجية إستقرار العديد من القبائل السودانية الأخرى في الإقليم، وذلك بدوافع مختلفة، ولكن تغلب عليها عناصر البحث عن العمل. علاقة الإقليم - بالدولة: قضايا الحكم والسلطة والثروة والهوية: ككل الأقاليم الأخرى؛ كان دخول الشرق ضمن الوحدة السياسية التي تعرف الآن بالسودان وحدة قصرية، ولم تكن إندماجا طوعيا. وهو ما يتضح من خلال كمية المعارك والتمردات التي خاضتها المجتمعات المحلية ضد إنماط العيش والحكم الدخيلة. والتي كانت ولا زالت مندرجة تحت سردية "البلاويت" او الأغيار. فمنذ بدايات تشكل الدولة السودانية عزفت معظم المجتمعات المحلية عن المشاركة في أنماط الحياة المستجلبة وحافظوا على طرائق تفكيرهم ونظرتهم للحياة. وساعدهم في ذلك ثقافتهم الراسخة وإعتزازهم الشديد بتصوراتهم. فقد رفض البجا المزاولة والإنخراط في النشاطات الإقتصادية التي اقامها المستعمر في مناطقهم وتمسكوا برعيهم، وبالتالي عزفوا كما قلنا: عن المشاركة في الحياة الاجتماعية الجديدة في المدن الزراعية التجارية التي نشأت مع المشاريع الزراعية. وعموما فالبجا بإعتبارهم يشكلون أكبر جموع السكان في الإقليم؛ كانوا قبل مجئ المستعمر وتشكل الدولة السودانية، يعيشون رعاة للإبل والضان وهم شديدي الإعتزاز والتمسك بمواشيهم ونمط كسبهم ولا يقبلون - بل وأحيانا يحتقرون أي مهنة او نمط كسب آخر. وكديدن المستعمر الذي جاء بهدف نهب الثروات والموارد الخام؛ فقد إغتصب الدخلاء؛ إن كانوا - أتراك او إنجليز - الأراضي الزراعية وأقاموا فيها المشاريع الضخمة، مقابل مبالغ رمزية في بعض الأحيان وبعض الخدمات القليلة للسكان. ولكن االسياسات الأخطر والتي خلفت تداعيات كبيرة ولا زالت إرهاصاتها مستمرة، هي إستعاضة الإنجليز عن البجا وجلبهم لعمالة من خارج الأقليم وبأعداد كبيرة؛ وذلك لتغطية الفراغ الذي خلفه عزوف البجا ورفضهم الإنخراط في النشاطات الإقتصادية للمستعمر، خاصة بعد إفتتاح "ميناء بورتسودان". وهو شئ جعل البجا في قاع التراتبية الإجتماعية الجديدة، ولم يكن أمام البجا لمواجهة هذا الوضع؛ خاصة بعد ان ساءت أحوالهم-سيما الشباب- إلا اللجوء إلى المدن الكبيرة التي إزذهرت بسكانها القادمين من خارج المنطقة بغرض القيام بالأعمال القليلة التي كانوا يقدرون عليها، وللأسف لم يجدوا غير الشحن والتفريغ "العتالة". يتبع
615 .1 K
الذكرى الثانية والثمانين لمؤتمر الخريجين

الذكرى الثانية والثمانين لمؤتمر الخريجين

الذكرى الثانية والثمانين لمؤتمر الخريجين(فبراير1938): نحو معهد لدراسات مؤتمر الخريجين والحركة الوطنية عبد الله علي إبراهيم ثار نقاش بين كتابنا الآحاد الذين نظروا في علاقة حركتنا الوطنية بالمؤتمر الهندي (بما تخطي تسمية مؤتمرنا الخريجين (1938) عليه) حول من كان صاحب التأثير الغالب من رموز الهند علينا: هل هو غاندي أم نهرو؟ ورأينا خالد الكد في كتابه "الأفندية" يقول بأن نهرو غلب. ولكن رهن تأثيره على مدرسة أبو روف الاشتراكية التي ارتبطت بالأدب اليساري في بريطانيا. وجاء الدكتور عبد الله الفكي البشير في كتابه "محمود محمد طه والمثقفون" (2013) الذي تناول مأثرة المرحوم محمود محمد طه الفكرية، بمناقشة نبيهة إلى تأثرنا حركتنا الوطنية بغاندي. فنظر في الاعتقاد السائد بأن تجرد طه وصوفيته ووطنية طه هي من تأثير غاندي عليه. وعقد الكتاب مقارنة بين الرجلين جنح فيها للتقليل من أثر غاندي على طه بحجة خصوصية مشروع طه الذي سطعت البراهين على "جدته وأصالته واتساقه". فمن رأي الكتاب أن الرجلين واجها الاستعمار بعزيمة ولكن كانت مواجهة طه أشمل من غاندي الذي انشغل بالتنظيم والسند الشعبي آخذاً بمبدأ المقاومة السلمية بينما صادم طه العقل الثقافي السائد بين مثقفين ركنوا إلى نضال المذكرات وملاذات الطائفية. فلم ينتج غاندي، في قول البشير، مشروعاً كوكبياً مثل طه لتغيير الإنسانية عن طريق الإسلام. وسمى البشير مشروع غاندي بالمقابل "أماني محلية داخل الهند للتغيير". فلم يقدم غاندي وجهة مستقبلية لما بعد التحرر بينما كان طه يرى أن التحرر من الاستعمار ليس نهاية الأرب لأنه قد نصحو فنجد أنفسنا لم نتحرر بالتحرر بعد. وفرق البشير بين طه وغاندي في أسلوب جهادهما فكان الصيام في السجن عند كليهما. ولكن كان صيام غاندي في رأى البشير سلاحاً للاحتجاج على الحبس بينما كان صيام طه في السجن هو الصيام المعروف عند الصوفية بالصمدي. وهو غير احتجاجي بالمعنى الذي عند غاندي. ولكن الحركة الوطنية عندنا أوّلته فروجت له على أنه لمناجزة الإنجليز. فكانت أدوات طه هي أدوات المثقف والصيام الاحتجاجي ليس منها. أما مربط الفرس في المقارنة بين غاندي وطه فهو ما جاء به كتاب البشير وصح به بتأثر طه بغاندي. فكلاهما خريج التعليم الحديث مع تحرر واع من المعرفة الاستعمارية ومقاومة الاستعمار من مرجعية تراثية. وهي مرجعية صوفية تاريخية سودانية أفريقية عند طه بينما هي عند غاندي هندوسية روحانية. فكلاهما رافض للحضارة الغربية. أما غاندي، الذي التزم بطريقة عاطفية بقيم الهند التقليدية، فرفضه للغرب كان كاملاً. وعلل نهرو ذلك بقوله إنه لم يكن أمامهم من سبيل غير ذلك لحساسية شعبهم من التشبه بآخر. أما طه فقد التزم بنقد الحضارة الغربية علمياً وقدّم بديلاً. فرنا لمدنية جديدة ديمقراطية اشتراكية مبرأة من المادية الغربية والروحانية الشرقية المفرطة معاً ومطلوبها الأسرة الإنسانية. فالحضارة الغربية عنده رأسمالية وشيوعية معاً. رغبت لو أن البشير لم يضيق واسع المقارنة بين الرجلين مثل القطع باختلاف موقفهما من حضارة الغرب ونحن في مفتتح دراسة مأثرتهما. فقد جاء كتابه بمشتركات جوهرية أخرى تفتح باباً واسعاً لبحث موضوعه تأثر طه بغاندي. فقد جمع طه مثل غاندي بين التطبيق العملي والتنظير لمشروعه وتعليم تلاميذه وتلميذاته أسس المنهج والعمل به. ولهذا رأينا كيف جمع طه تلاميذه حوله في بيوت بالحارة السادسة بالثورة هي أشبه ب"أشرام" غاندي. وكان يربيهم على مبدأ اللاعنف، ورطوبة اللسان في الدعوة، وتحمل الأذى لا رده. وقد لا يتفق آخرون مع البشير في فهم موقف غاندي كردة فعل بسيطة إلى ريفية الهند كفراناً بالحداثة. فوطنه الفيلسوف الهندي أشيش آندي في كتابه "التقاليد، الاستبداد، واليوتوبيا" في خطاب الحداثة الهندية الأقدم من خطابنا في السودان أو في العالم العربي. فقال آندي إن غاندي لم يستدبر الغرب لأنه لا يرى الغرب واحداً أحداً بل غربين ولا فكاك لنا منهما. فنقده للغرب، الذي ربما بدا ردة عنه، هو مسعاه ليأتي بالغرب الآخر النبيل الذي أضاعه الغرب الشرير. واسترداده للغرب الآخر هو استرداد لنفسه ذاتها التي أفسدها الغرب الشرير. فطلب غاندي من هذا الغرب ونظريات التقدم التي تَقَحم بها حيوات غيره أن يعترفا بما فعلتاه بالغربيين أنفسهم أولاً وبسائر الإنسانية. وعلى غير الغربي، في قوله، أن يتصالح مع فكرة أن القرنين اللذين انصرما وساد فيهما الغرب كانا مسخاً للحضارة الغربية. ومتى وقفنا على اشتباك غاندي المعقد مع الغرب فهمنا إجابته الذائعة على من سأله رأيه في الحضارة الغربية. فقال ساخراً: الحضارة الغربية! أعتقد أنها كانت ستكون فكرة رائعة لو حصلت. فالحضارة الغربية لم تقع. ووجدت التعقيد العذب في نظرة غاندي للغرب في كلمة لولتر بنجامين (1892-1940)، الفيلسوف الألماني، الذي قال "ليس من وثيقة شهدت بالحضارة ليست هي في ذات الوقت من شهدت بالبربرية". مؤتمر الخريجين قليل الشأن في تاريخنا وثقافتنا. ورثناه مادة للنقد لحسرتنا على بؤس أداء صفوته الذين خبرناهم في الحكم بعد الاستقلال. وأزهدتنا سياستهم وخلقهم في الحكم عن معرفة وطنيتهم وأشواقهم للحرية وينابيع فكرهم خلال عقود النضال ضد الاستعمار. بل صار هذا النضال حجة عليهم لا لهم. فتنامت عقيدة سفيهة ترى في اخراجهم للإنجليز بالاستقلال عيباً وضلالا. مالمم عليهم! وددت لو حملتنا ثورة 2018 على إحياء ذكرى مؤتمر الخريجين والحركة الوطنية. فلن نفهم تجمع المهنيين الذي قاد الثورة (ولا جبهة الهيئات في 1964 ولا التجمع النقابي في 1985) بدون علم واف بمؤتمر الخريجين. وكنت اقترحت في أول الثمانيات أن تنشئ جامعة الجزيرة الناهضة معهداً لدراسات مؤتمر الخريجين والحركة الوطنية عرفاناً لمدينة مدني التي انبذرت حبة المؤتمر فيها. ففيها اقترح أحمد خير فكرة قيام المؤتمر من فوق منبر جمعيتها لأدبية حتى تبناه نادي الخريجين بأم درمان (الصحافة 12 ابريل 1980). وما يزال الوطن طفلاً وكذلك فكرة تعزيزه بمعهد لدراسات الحركة الوطنية ومؤتمر الخريجين.
579 .1 K
ما معنى مصطلح جائحة

ما معنى مصطلح جائحة

بسم الله الرحمن الرحيم الجائحة ارتبط هذا المصطلح الطبى ارتباطا وثيقا بكوفيد١٩ او الكورونا كما هو شائع والصحيح ان كوفيد ١٩ هو احد الفيروسات المنتمية للكرونا ...فماذا تعرف عن الجائحة ؟ ماذايعنى هذا المصطلح تحديدا ؟ هل هو مصطلح حديث كما هو الحال مع كوفيد١٩؟ هل ثمة جوائح ارتبطت بتاريخ البشرية القديم؟ ومتى نطلق على مرض ما مصطلح جائحة؟ هل كوفيد١٩ هو الجائحة الوحيدة حاليا ام ان البشرية تتعايش مع جوائح اخرى حاليا؟ هل تنبثق الجائحة من العدم فجأة ام ان هناك مراحل معينة تتدرج من خلالها؟ هل ثمة مصطلح آخر مشابه؟ عندما نقول جائحة او( ويكيبيديا) فاننا نعنى بذلك الوباء العام الذى ينتشر بين البشر شاملا مساحات كبيرة مثل قارة كاملة وقد يتسع ليشمل كافة ارجاء العالم وقريبا من ذلك يوجد مصطلح آخر مشابه للجائحة مع بعض الاختلاف فماذا نعنى بمصطلح الجارفة الجارفة مصطلح يطلق على الانتشار الواسع لمرض ما كما فى الجائحة لكن يكمن الاختلاف ان ذلك الانتشار للمرض بين الحيوانات وليس البشر كما هو ملاحظ توجد العديد من الامراض الفتاكة التى اودت بحياة الملايين من البشر وهى واسعة الانتشار فهل يشملها ذلك المصطلح جائحة ...على سبيل المثال مرض السرطان الذى اودى بحياة الملايين من البشر وهو مرض فتاك كما انه واسع الانتشار فى جميع انحاء العالم وكل قارات العالم بلا استثناء وبالرغم من ذلك لا يطلق عليه جائحة فلكى نصنف مرضا على انه جائحة يجب ان يستوفى شرطين أساسيين فماهى تلك الشروط التى يجب توافرها لكى نطلق مصطلح جائحة على مرض ما؟ اولا لابد ان يكون المرض واسع الانتشار وقاتل وثانيا لابد ان يكون المرض معديا اى يمكن انتقاله من شخص لاخر بصورة مباشرة او بصورة غير مباشرة اى بانتقال المرض من شئ ملوث الى الفرد دون انتقاله عبر الافراد بصورة مباشرة لذلك لا يصنف مرض السرطان كجائحة وذلك لانه مرض غير معدى لاينتقل من فرد لاخر بواسطة العدوى سواء اكانت مباشرة ام غير مباشرة وكما هو ملاحظ فانه لتوافر شرط العدوى والانتقال فمن البديهى جدا ان تمر الجائحة بنوع من التدرج او التمرحل وعليه قسمت منظمة الصحة العالمية ذلك التدرج لستة مراحل وذلك كما يلى: المرحلة الاولى:- فيروس يصيب الحيوان لكنه لايسبب عدوى بشرية المرحلة الثانية:- فيروس يصيب الحيوان ادى لعدوى بشرية المرحلة الثالثة:- ادى الفيروس لاصابات متفرقة بين البشر ولكنه لايزال غير كافيت لحدوث وباء فى المجتمع المحلى المرحلة الرابعة:- اصبح المرض كافيا لحدوث وباء فى مجتمع محلى المرحلة الخامسة:- العدوى باتت منقولة من شخص لاخر وتسببت فى حدوث اصابات بين بلدين مختلفين لكن موجودين فى اقليم واحد بحسب توزيع الاقاليم المعتمد من منظمة الصحة العالمية المرحلة السادسة:- الوباء بات عالميا وسجلت اصابات فى اقليمين مختلفين على الاقل حسل توزيع الاقاليم المعتمد من منظمة الصحة العالمية وكما هو متوقع بعد ما تناولناه لمعرفة ذلك المصطلح جائحة فان هذا المصطلح جائحة ارتبط ارتباطا وثيقا بتاريخ البشرية القديم فقد عانى العالم سابقا من العديد من الجوائح التى فتكت بالملايين من البشر على مر العصور سنقوم بعرض اسماء بعض الجوائح التى مرت على التاريخ البشرى القديم فعلى سبيل المثال لا الحصر جائحة طاعون اثينا (٤٢٦_٤٣٠) قبل الميلاد وكذلك جائحة الطاعون الاسود (١٣٣٠_١٣٥٣) ميلادى وايضا جائحة الانفلونزا الاسبانية (١٩١٨_١٩٢٠) ميلادى بالاضافة لجائحة الكوليرا والتى انتشرت فى القرن العشرين وتسببت فى موت عشرات الملايين من البشر وقد انتشرت فى شكل سبعة جائحات سميت بالتسلسل الرقمى ابتداء من جائحة الكوليرا الاولى (١٨١٧_١٨٢٤) ميلادى وحتى جائحة الكوليرا السابعة (١٩٦١_١٩٧٥) ميلادى وتعد هذه امثلة لبعض الجوائح التى اجتاحت العالم فى التاريخ القديم وكما هو معلوم فاننا نعاصر حاليا جائحة كوفيد١٩ فهل ياترة توجد جائحة اخرى يتعايش معها العالم حاليا ؟ الجواب الصادم نعم توجد جائحة اخرى نتعايش معها منذ عشرات السنين وحتى الان الا وهى جائحة فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب ( الايدز) حيث تعد قارة افريقيا هى المنشا لهذا الفيروس المسبب لجائحة الايدز ومن ثم انتشر الى بقية ارجاء العالم بلا استثناء والملاخظ فى جائحة الايدز انها ذات معدل انتشار بطئ مقارنة بجائحة كوفيد١٩ ويعزى ذلك للاختلاف فى طرق انتقال العدوى لكلا من الجائحتين ومدى القدرة على التحكم فى طرق الانتقال بالنسبة للعدوى وبالطبع لم يقف العالم مكتوف الايدى ازاء تلك الجوائح فلازال العالم منشغلا بكيفية التخلص من تلك الجوائح وايجاد العلاجات والامصاى الفعالة ولايزال البشر فى حالة من التضرع والدعوات بان يزيل الله الوباء ويخلص العالم من شرور تلك الجوائح.
566 .1 K

الاعلى مشاهدة

المنح التركية_2020

أعلنت إدارة المنحة التركية إفتتاح التقديم للعام 2020م بتاريخ 10-01-2020 عبر الموقع الرسمي للمنحة على الإنترنت، حيث يقدم له سنوياً ١٠٠الف طالب حول العالم، وينتهي التسجيل في 20-02-2020 لجميع المستويات الأكاديمية ( بكالوريوس، ماجستير ، دكتوراه ) مميزات المنحة التركية تتميز المنحة بأنها ممولة بالكامل وتغطي كافة التكاليف من أقساط الجامعة إلى بدل سكن وتأمين صحي، وتغطية تكاليف السفر والفيزا للمتقدمين من خارج تركيا، بالإضافة إلى راتب شهري. المعاش الشهري البكالوريوس 700 ليرة تركي الماجستير 950 ليرة تركي الدكتوراة 1400 ليرة تركي البحوث 3000 ليرة تركي شرط العمر: البكالريوس من تاريخ 01-01-1999( اقل من 21 سنة) الماجستير من تاريخ 01-01-1990( اقل من 30 سنة) الدكتوراة من تاريخ 01-01-1985( اقل من 35 سنة) البحوث من تاريخ01-01-1975 ( أقل من 45 سنة) مميزات المنحة يحصل الطالب المقبول في المنحة على تذاكر سفر مدفوعة من قبل الدولة من البلد الذي يقيم فيه إلى تركيا ومن تركيا إلى بلده بعد إنتهاء الدراسة بشكل نهائي. يحصل الطالب على إقامة طالب طول مدة الدراسة مدفوعة من قبل الدولة. توفر الدولة للطالب السكن المجاني طول فترة الدراسة مع مصاريف السكن. تقدم الدولة للطالب تأمين صحي مجاني طول فترة الدراسة. يحصل الطلاب المقبولين فى المنحة على سنة كاملة لدراسة اللغة التركية دون أي رسوم، مع العلم أن الطلاب الملتحقين بالدراسة بلغة أخرى ( غير اللغة التركية ) يتوجب عليهم حضور السنة الكاملة لتعلم اللغة التركية أيضاً، وسيحصل الطلاب المقبولين فى المنحة على بطاقة تمنحهم حق التنقل، بسعر مدعوم من الدولة مخفض جدا . الأوراق المطلوبة : شهادة المؤهل التعليمي: شهادة الثانوية للمتقدمين للبكالوريوس, أو شهادة الجامعة للمتقدمين للماجستير, أو شهادة الجامعة والماجستير للمتقدمين للدكتوراه. في حال لم تكن شهادة التخرج جاهزة أو تبقى على تخرج المتقدم عدة أشهر, فيمكن تقديم إفادة رسمية مختومة تفيد بذلك ترفع إلى الموقع عوضًا عًن شهادة التخرج. كشف الدرجات التعليمي يوضح درجات الطالب في المواد بالنسبة لخرجيي الثانوية هو نفسه شهادة الثانوية، وبالنسبه لخرجيي الجامعة والماجستير فهو الكشف التفصيلي لدرجات المواد خلال سنوات الدراسة. رسالة توصية واحدة أو اكثر من مدرس أو مدير في العمل أو من مؤسسة، وترفع رسالة التوصية إلى الموقع بالإضافة إلى ضرورة إدخال البريد الإلكتروني للشخص الكاتب للتوصية, حيث ستصل إليه رسالة تطلب منه التأكيد بأنه الشخص الذي قام بكتابة التوصية . وثيقة إثبات هوية كجواز سفر أو بطاقة شخصية أو شهادة ميلاد أو رقم جلوس. صورة شخصية حديثة واضحة. ترجمة كافة الأوراق ( بعد تلقي رسالة القبول وتحديد موعد المقابلة ) وثائق مطلوبة لبعض الجامعات أو التخصصات فقط 1) شهادة امتحان معتمد للغة الإنجليزية, في حال كانت الجامعة التي تم اختيارها تطلب شهادة اللغة الشهادات المعتمدة هي شهادة التوفل TOEFL تكن شهادة اللغة متوفرة اثناء التقديم, فيجب تجهيزها حتى موعد المقابلة. 2 ) شهادة امتحان كفاءة أو مهارات معتمد, في حال كانت الجامعة التي تم اختيارها تتطلب ذلك. تطلب هذه الشهادة GMAT أو GRE وفي الغالب للطلاب المتقدمين للدراسات العليا, كشهادة امتحان، في حال كانت الشهادة المطلوبة غير متوفرة أثناء فترة التقديم, فيجب تجهيزها حتى موعد المقابلة. شهادات خبرة في أعمال سابقة انتظم فيها المتقدم. شهادات مشاركة في دورات تدريب أو تأهيل أو ندوات. شهادات تكريم في أي مجال . شهادات مشاركة في أنشطة تطوعية خدمية . أي شهادة أو وثيقة أو جائزة أخرى حصل عليها المتقدم سوى في المدرسة أو العمل . المعدلات المطلوبة درجة البكالوريوس: يجب أن لا يقل المجموع عن 70% يجب ان لا يقل مجموع الطلاب الراغبين في دراسة الطب عن 90% درجة الماجستير والدكتوراه:% يجب ان لا يقل المجموع عن 75% للتقديم اضغط هنا : https://tbbs.turkiyeburslari.gov.tr/ ملحوظة : بإمكانكم إستخدام الرابط في الأعلى للتقديم للمنحة.

734 .7 K

الثورة السودانية ومعنى الكرامة

الثورة السودانية ومعنى الكرامة حسان الناصر باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا – علم الإجتماع والأنثربولوجيا مقدمة يبدو أن الربيع العربي الذي إنطلقت شرارته من تونس( بثورة الياسمين ) ما زالت إمتداداته مشتعلة حتى يومنا هذا ، لم تنضب بعد ينابيع الحرية التي إنطلقت أصواتها في أرياف تونس ومدنها ، وها نحن مرة أخرى نشهد فجراً جديداً من فصول الكرامة و الحرية التي تشهدها المنطقة بثورة سودانية من أرض النيلين ، وهو دليل على تعافي الشعوب العربية من براثن الخوف وتحطيم قلاع الشمولية . فالثورة السودانية التي تفجرت من أريافه البعيدة و شهدت مشاركة واسعة لأطياف المجتمع التي كانت بعيدة كل البعد عن مسرح الحياة السياسية وتمثل ذلك في طبيعة الحراك الذي إمتدت طوال عشرة أشهر لنشهد سقوط النظام البشير في الحادي عشر من أبريل بعد أن وصلت المشاركة الشعبية أوجها ، بوصول الثوار الى ساحة القيادة العامة مما جعل الجيش ينحاز الى خيار الشعب ، في تقاليد ليست بجديدة على القوات المسلحة السودانية وإن كانت ظروفه وعوامله مختلفة هذه المرة وموازين القوى فيه متبدلة ومتغيرة عن الانحياز الذي حدث في ثورة 1985 م التي إنحاز فيها الجيش لخيار الجماهير التي خرجت في وجه نظام المشير جعفر نميري ومن قبلها أيضا ثورة أكتوبر من العام 1964 م والتي أذعن فيها الفريق عبود لخيار الشعب ، لذلك من الصعب اللولوج الى مسارات هذه الثورة من مدخل معين ومن تعاريف محددة . بصفتي باحثاً في العلوم الاجتماعية فمن الصعب على الأكاديمي أن يضع تعريفات معينة ومحددة للثورة و عوامل انطلاقها وتراكماتها وماحدث فيها والحجرعليها مغبشا بذلك الواقع ، وإنما عليه طرح الأسئلة و التوسع فيها ، هي مهمة الباحث التي أرى أن تكون نصب عينه لا قولبة المفاهيم ومحاولة تركيب الواقع داخلها ، بهذا تكون الظاهرة هي مركز البحث لا ذاتية الباحث أو توجهات إنها عملية تحرر كاملة وهو ما أحاول جاهدا فعله في هذه الورقة ، فمهمتي التي سأقوم بها هي ليست معالجة وإنما كشف وإستقصاء لمفهوم الكرامة وتجلياته في الثورة السودانية ، مستعرضا بذلك المجتمع السوداني وطبيعة تركيبه الاجتماعية ومن ثم فحص الثورة و الفاعلين فيها ومقاربات أضعها بين الثورة السودانية و غيرها من الثورات التي إنطلقت وسميت بالربيع العربي . لصعوبة ضبط مفهوم الثورة ، فإنني أستخدم عوضا عنه مفهوم ( المسار الثوري ) ، فالثورة إن تناولنا مفهومها نجد أن لكل منهج أو أيدولوجيا تعريف مختلف عن الآخر حسب قواعد المنهج و تأطيراته النظرية ، مما يغيب شئ من الواقع ويخفي أشياء قد تكون مهمة ومركزية من ناحية أخرى لذلك ليست الفكرة بإنتصار للمفهوم وهل هي ثورة أم لا؟ وإنما هو محاولة للإنفتاح إتجاه تشكلات مختلفة للثورة وخصوصا في بلد متنوع ومتعدد مثل السودان إختلفت فيه أشكال التعبير السلمي عن الثورة ، وأصبحت كل مدينة من مدنه التي إنتفضت لها طريقتها الخاصة في التعبير وشكل ( مسار ثوري ) مختلف بدرجات متفاوتة عن بقية المدن . إذن (فالمساور الثوري ) هو الشكل الذي إتخذه الفاعلون في التعبيرعن مناهضتهم للظلم و القهر ، وعبروا به عن رفضهم للنظام الحاكم (نظام الإنقاذ) وممارساته إتجاه المجتمعات السودانية المتعددة ، بالاضافة الى هذا يشمل المسار الثوري التشكلات الاجتماعية و الأدوات التي إستخدمها الفاعلون في الحراك لمواجهة القمع وسوء المعاملة ، وبالتأكيد يشمل المسار الثوري أيضا الشعارات التي رفعت منذ بداية الثورة ، ومنها يمكن أن ننظر الى الثورة كما ينظر الباحثون الجيلوجيون الى مقياس رختر ليس هناك لحظة معينة لها وإنما هى ذبذبات متواصلة تنقطع حينا وتختفي حينا وتتواصل أحيانا ، وهو ما ذهب اليه فؤاد طرابلسي في كتابه ثورات بلا ثوار " أن الثورات العربية هي سلسلة الإنتفاضات الشعبية غير المتوقعة و العفوية إلى أبعد حد " ويذهب أيضا مولدي الأحمر في كتاباته حول الثورة التونسية هذا المنحى أيضا ، "ليس هناك مفهوم واحد للثورة بل عدة مفاهيم، و هي تختلف بحسب طبيعة الظاهرة و سياقها و أهدافها و إطارها الزمني و محيطها الثقافي وبحسب المعنى الذي يعطيه لها أصحابها أو حتى من يتكلم عنها. فالثورة بمعناها الاجتماعي تتجاوز بكثير الأحداث المؤطرة في زمان و مكان محددين" إذن إن هذا المفهوم (المساري الثوري ) ليس بشئ أبتدعه بالمنحى الذي سلكه العديد من الباحثيين لفهم طبيعة الثورات العربية والثورات التي تدور رحاها في المنطقة عموما . وقد يكون إستخدام هذا المفهوم وفقا لطبيعة الفاعلين في الثورة ، فهم ليسوا جحافل العمال الذين خرجوا من مصانع وبيوت البلوتاريا أو تلك النخبة التي خرجت من المؤسسات السياسية و الأكاديمية توزع المنشورات في الطرقات وتهتف إن كان لها دورا في الحراك. إلا أننا يصعب علينا تسمية الفاعليين بصورة مطلقة ونقول أن هذه هي الجهة التي قامت على أكتافها الثورة وهي ميزة هذه الثورات التي كان الفاعل فيها هو من خارج تلك الحدود التي كانت السلطة تلتفت إليهم كلما إرتفعت أصوات الشارع بالرفض و المناهضة . من هم الفاعلون الجدد ؟ يظهر جليا من خلال حركة المسار الثوري منذ إندلاع الحراك في ديسمبر من العام 2018م أن طبيعة هذه الثورة مختلفة عن الثورات السابقة في السودان هذا الإختلاف يكمن في طبيعة الفئات التي شاركت في الثورة وفي صنع أحداثها ، فإندلاع أول حراك حدث خارج حدود العاصمة ، تلك المساحة التي شكلت الوعي السياسي منذ الحركة الوطنية وما تلته من ثورات ، حتى اخر حراك سياسي حدث في عام 2013م في إنتفاضة سبتمبر ، بالاضافة الى إنتقال الثورة مدن السودان المختلفة قبل وصولها للخرطوم ، فالمسار الثوري قد إتخذ منحا مختلفا منذ بدايته بالاضافة الى أن الحراك في الأقاليم حطم من رمزية السلطة بعد أن قام الثوار (الفاعليين ) بحرق دور المؤتمر الوطني ، وإقتحام مراكز جهاز الأمن كسرت بذلك رمزية السلطة وأعلن الفاعلون الجدد هذه المرة سقوط نظام المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم ) ، ويظهر لنا أن هؤلاء الفاعلون هم الفئات التي كانت بعيدة عن الساحة السياسية ، من طلاب وشباب عاطل عن العمل ،بالاضافة الى الشابات اللائي شكلن ملاحم بطولية جنبا الى جنب مع رصفاءهن من الشباب فكان لقب (كنداكة ) هي السمة التي وصفن بها ، وهو لقب أحيته الثورة ويطلق على حاكمات الممالك القديمة للسودان ، وكانت هذه الفئة بعيدة كل البعد عن الحراك السياسي . فالحراك السياسي الذي كان يتبناه الساسة هو خيار المهادنة أحيانا في ظل القبضة الأمنية و العسكرية التي كان نظام المؤتمر الوطني يطوق بها الفضاء السياسي ، الأمر الذي دعى بعض الأحزاب السياسية الى طرح سؤال (الانتخابات ) بعد مقاطعتهم للصناديق في الانتخابات الثلاثة السابقة ، وحدث هذا قبل الثورة بأقل من شهر ، إذن ما يمكن قوله أن هؤلاء الفاعليين الجدد تميزوا بأنهم من خارج الأطر السياسية ،بالاضافة الى أنهم من خارج المناطق التي يتراكم فيها الوعي و توجد فيها تشكلات سياسية تسمح لهذه الفئات بالمشاركة السياسية ونمو وعيهم بالمشاكل التي تحيط بهم من جراء ممارسات النظام القهرية و القمعية وإنما كسروا حواجز لم تكن في إدراكهم أو تصورهم السياسي ، بل شكلت لهم المسار الثوري روح تحدي كسروا بها هذه الحواجز ويظهر هذا جليا في إحتفاءهم بالمواكب الثورية التي كانت تخرج من قلب الأحياء الى الشوراع و الطرقات . إذن يبرز السؤال الأساسي الذي يمكن عبره أن نوجد صيغة تكشف لنا وتفحص موقع الفاعلين في الاطار السياسي القديم ، وأقول القديم لأن المسار الثوري قد أعاد ترتيب الخارطة السياسية بدخول فئات جديدة من المجتمع تشكلت عبر طول الحراك الذي عاشه المساري الثوري الذي ما زالت تدور رحاه حتى يومنا هذا . ماهو شكل الاطار السياسي القديم ؟ تمثل الأحزاب السياسية قوام هذا الاطار الذي تدور فيه مجموعة أخرى من السياسين بشقهم المدني و العسكري (الحركات المسلحة) ، وتعتبر جميع الأحزاب السياسية هي إمتداد للحركة الوطنية سواء أكانت أحزاب طائفية أو عقائدية او أحزاب ذات توجه ماركسي ، تمتاز هذه الأحزاب السياسية بالترهل و النمطية بالإضافة الى سيطرة الهياكل العليا على القرارت وعلى تسيير مسار الحزب وشؤونه الداخلية وعلى كافة القرارت الحزبية ، مما جعل الفاعلون الجدد يفقدون ثقتهم في هذه المنظمات االسياسية التي لحقت بالثورة بعد أن إنطلقت . رغم اختلاف الرواة علي تسميتها ومواعيد انطلاقها هو للعديد ممن كانوا يخرجون الي الطرقات مستقبلين القادم من الاحلام بالرصاص والهراوات ليس مهما واعني بأنه ليس مهما في اطار التنازع بالنسبة لهم لانه لن يعني لهم اليوم اي امر مهم كما كان يهم النخبة السياسية القديمة ، فالاختلاف علي الرمزيات والتواريخ لطالما كان ديدن النخبة السياسية في السودان واهتموا بسرد الحدث وكتابته اكثر من صناعته بصورة حقيقية وفاعلة فمثلا اختلاف اليمين واليسار علي الانتفاضتين السابقتين خير مثال وحتي علي رمزية الشهداء ، فتناطح اليمين واليسار علي (القرشي ) كل ينسب انتماءه له ، لذلك اولى الملاحظات التي يمكن ان نقول ساعدت في نجاح هذه الثورة هو ( التجاوز ) والتجاوز الذي انتجته الثورة هنا ليس تجاوز للسياسة وانما تجاوز للنظرية السياسية في السودان والتي اظنها قد ولدت بشكلها الحالي منذ عام 1924 بعد ثورة اللواءالابيض وصعود المهدية الجديدة "علي المسرح السياسي بزعامة عبد الرحمن المهدي الذي أصبح من كبار رجال المال والاعمال وملاك الاراضي بالسودان ، وذلك بحصوله علي المعونات المالية والقروض والمنح فكانت المهدية الجديدة وليدة نفوذ الشخصي وثراءه وقوة شخصيته وامتزج نفوذه القبلي والمالي" وليس عبد الرحمن وحده من دخل بنفوذه الديني والطائفي الي الساحة السياسية في السودان بل عمدت الادارة البريطانية انذاك الي التعاون مع جميع زعماء القبائل والعشائر . فشكل تحالف الزعيم الاهلي والمثقف ملامح تلك الفترة وسمح للقبيلة والطائفة ان تعيد انتاج نفسها بصورة جديدة تمفصلت داخل البنى الحديثة لمؤسسات الدولة وداخل الفضاء العمومي وتسيطر عليه تماما. ان هذا المشهد الذي شكل بعد اربعة وعشرون هو الذي رسم وصور المشاهد السياسية المتعاقبة فيما بعد، وهو الشكل الذي لم تنجوا منه حتي الاحزاب الحديثة بوقوعها في ذات الشروط التي فرضتها النظرية السياسية فاستبدلت الزعيم الاهلي بضباط الجيش وهو العقم الذي مازال باقيا ليس للسودان وحسب وانما لدول افريقيا عموما وللدول المجاورة للسودان. ان هذه الشروط مرتبطة بشروط السلطة نفسها وخطاب السلطة ، ففي الفضاء الازرق ( فيس بوك ) وجد الفاعلون الجدد ضالتهم في الخروج عن انساق السلطة وبنيتها التي فرضت منذ تأسيس الدولة السودانية فلامحظور هناك او هوية مرتبطة بالابعاد الاجتماعية ، هناك حيث تصاغ الهويات المتعددة المنفصلة عن حمولات مرهقة وشكلية محجوزة ضمن اطر اسرية وتعليمية قاسية فتشكلت ملامح جيل (رافض) للحجز والحجب وباتت التساؤلات مكشوفة امام الجميع ولم يعد سؤال (البديل ) رهينا للكبت فتفككت داخل المنشورات التي ترسل في كل دقيقة سلطة النظام وسلطة الأسرة وبات الجميع في مرمى السخرية والنقد لماذا لم تنتبه السلطة والنظام الرقيب لهذا الاداة الفاعلة ؟ وتوقفها لانها رهينة للنظرية التي افرزتها، النظرية التي غيبت الواقع وحجبت الرؤية تماما عن تغيرات الواقع التي هي ليست تغيرات عمرية فقط وانما تغيرات مرهونة بواقع عالمي متفتح ومتحرك بصورة سريعة، وهي السمة الاساسية التي يتعامل بها شباب الفيس بوك والواتساب وغيرها من التطبيقات الذكية التي جعلت من سرعة الواقع متزايدة بصورة كبيرة مما سمح بتشكيل واقعاسفيري تتخذ فيه الاراء بصورة سريعة ويتجسد ذلك في لحظات كثيرة من عمر المسار الثوري حينما يدعوا الناس للخروج للشوارع فتستجب تلك الجموع في لحظات. ماهو الدور الذي لعبته مواقع التواصل الإجتماعي ؟ تميز المسار الثوري في حراكه عن بقية الأشكال السياسية في الفترات السابقة بتوظيفه للفضاء الإسفيري في ويظهر هذا في المنصة التي إتخذها تجمع المهنيين السودانيين عبر صفحته التي كانت منصة وحدت الحراك الثوري ولعبت دورا مهما ، والغريب في هذه التجربة أن التجمع هو الجسم الموازي للنقابات التي كانت تحت يد السلطة ، ولم يكن للتجمع دور سياسي سابق سوى دعوة أطلقها قبل إندلاع الحراك بأيام من أجل مذكرة للبرلمان من أجل رفع الحد الأدنى للأجور ، ولم يقوم التجمع بالدور الذي قامت به النقابات في الانتفاضات السابقة في تاريخ السودان ، ولكن قام بدور آخر أي بوظيفة أخرى وحل محل القوى السياسية التي فقد فيها الفاعلون الجدد الثقة ، وذلك كله عبر صفحة في ( فيس بوك ) ، لذلك يمكن لنا أن نقول : بأن مواقع التواصل الإجتماعي لعبت دورا مهما في الحراك والمسار الثوري . المساور الثوري هو الشكل الذي إتخذه الفاعلون في التعبيرعن مناهضتهم للظلم و القهر ، وعبروا به عن رفضهم للنظام الحاكم (نظام الإنقاذ) وممارساته إتجاه المجتمعات السودانية المتعددة اهم ما قام به الحراك عبر وسائل التواصل الاجتماعية هو اعادة تشكيل الذات التي لعبت الدولة علي تشكيلها علي مر الثلاثين سنة الماضية عبر برامج التعليم و الوسائل التي تمتلكها السلطة فسيطرت علي عملية التفكير كأولى المراحل التي يمكن له عبرها التسلل الي داخل كل فرد كما يتسلل الماء عبر فجاج الصخر ،ومحاصرة عملية التفكير هي مهمة نظام التعليم "الذي هو علي علاقة معقدة بنظم اخرى ومقولات في غاية القوة مثل : التربية ، الاسرة ، المجتمع ....الخ ." بما أن نظام التعليم في الثلاثين سنة الماضية قد أخذ مفهوم الرقيب علي عقول المواطنين وأفقدهم زاتهم التي من خلالها قد يعبرون عن (رفضهم) اتجاه ممارسات النظام عليهم ، ويرز السؤال الذي قد يكون بسيط في ظاهره معقدا في التفكير حوله (كيف استطاع هؤلاء الشباب الهروب من شرك السلطة اتجاه ذواتهم ؟) يمكن لهذا السؤال ان يتم الاجابة عليه في مجلدات آلاف الكلمات ولكني سأقوم في اختصارها بكلمة واحدة (الخيال) "بقوة الخيال فقط ، استطاع نظام التفكير أن ينفلت مرات من ربقة السيطرة المطلقة للنظام " أتاح الفضاء الأزرق الهروب لهذا الجيل بخيالهم نحو فضاء لم يكن أن يظهر لولا تلك المساحة الاسفيرية ، فالمبادرات الفردية و الجماعية التي تنفذ وجدت حظها الوافر في المتابعة و التفاعل . هل فعلا كانت ثورة من أجل الكرامة ؟ المتابع للمسار الثوري منذ انتفاضة سيتمبر 2013م يرى أن هناك بلورة للفعل المقاوم للسلطة ، ففي سبتمبر خرجت مدينة الخرطوم في أولى المظاهرات التي تلت قرارات الحكومة برفع الدعم عن المحروقات الا أنها أحكمت قبتضها الأمنية و البوليسية على الحراك مما أخمده في أقل من اسبوع ، وخرجت التصريحات النارية من قادة النظام بصورة جعلت من الشعب السودان يستاء بصورة كبيرة وأشرها مقولة (لحس الكوع ) التي صرح بها نافع علي نافع القيادي في المؤتمر الوطني ، وكعادة المجتمع السوداني الذي يستند في موروثه علي التركيبة الإجتماعية القبلية ، وجدت هذه المقولة وقع السيف في أنفس السودانيين هذا بالاضافة مقولة على عثمان الشهيرة التي وصفت الفاعليين في الحراك بأنهم شذاذ آفاق مما أساء للروح السودانية التي تستهجن مثل هذه الاساءات وتعرف هذه المقولات بإسم (الحقارة ) وهي لفظة تطلق على الاساءة ، الأمر الذي وسع من المشاركة الشعبية في هذا الحراك فظهرت روح التحدي و القبطة من جراء مثل تلك المقولات ، بالاضافة الى أن النظام كان ينتهك من كرامتهم عبر الاذلال في فصفوف الخبز و البنزين و الى المعاناة اليومية ، وخصوصا أن النظام في أيامه الأخيرة قد أقام مؤتمرا للحركة الاسلامية السودانية كلفته مئة مليار جنيه ، في حين أن أزمة الخبز قد وصلت حدها فلم يجد الأباء ما يسدون يه حاجة أسرهم وإزداد الذل عندما كان النظام يتنعم بخيرات الشعب وغابت السيولة النقدية عن البنوك فوقف الناس بالصفوف وصارو يتزاحمون على الصرافات من أجل حقهم الأمر الذي أجمع عليه جميع الناس أن ما هذا سوى (ذل) من قبل مؤسسات النظام للمواطن . بالاضافة الى توحش النظام وتغوله الذي بدأ منذ مجيئه على ظهر انقلاب عسكري بدأ واضحا الانحياز الايدولوجي ضد من هو خارج الدائرة التي من خلالها عرف (الدولة والمواطن ) حيثعمل النظام على وضع تعريف معين للمواطن وخلق تر��تبية تفكك كلما زادت عليه الضائقة المالية بإنتشار فساد أعضاءه ، فنالت المجموعات الاثنية التي تعيش في مختلف أطراف السودان من ويلات النظام ، بذلك إنتقلت حمى التهميش و الاقصاء و القهر الى قلب العاصمة فتكون نظرة مختلفة إتجاه النظام وممارسات الذل ، وبنفس الخطاب الذي كان يستخدمه (البشير ) رأس النظام ، خرجت الحشود لتعبر عن رفضها الكامل له ، (فبلادي سهول بلادي حقول ) المقولة التي ظل الرئيس يتغنى بها أمام الحشود في لقاءاته ، ما كانت الا جرعات سرعان ما إنقلبت ضده ، فخرج عليهم إبان الحراك ليزيد من سخط الشارع عليه أثناء ما كانت قوات الامن تقتحم المنازل وتروع الامهات وتنتهك حرمات البيوت ، الفعل الذي وجد إستنكارا كبيرا ، وكأن النظام قد تحلل من قيم المجتمع وأعرافه التي ترفض أن تنتهك الحرمات ، فقال بأننا : شعب يكرم الضيف ويغيث الملهوف ويحفظ الجوار ، فتحركت عزائم السودانيين من أجل تحقيق هذه المقولة التي إنقلبت ضد نظام الانقاذ من أجل حفظ كرامتها ، هذا كما شكل قتل الشباب دافعا قويا من أجل اسقاط نظام الانقاذ ، لأن قتل العزل لم يكن من شيمهم أو عاداتهم التي يتغنون بها ويحتفون بها أمام شعوب العالم ، فالسوداني تظل القيم عنده خط أحمر ، يمكن أن يفقد روحه وماله من أجل المحافظة عليها ، وساعد إنتشار تلك المقاطع التي كانت تصور عناصر الأمن وهي تقتحم البيوت عاملا محفزا أدى الى أن تتحدى الموت وتصل الى القيادة العامة ، التي كانت أغاني الحماسة و الفروسية تمثل درعا إحتمى الفاعلون به عندما كانت قوات الامن تهاجمهم قبل سقوط النظام ثلاثة أيام ممتتالية ، حيث كان صغار الضباط يتمردون على رؤساهم ويطلقون النار على قوات الأمن ، فإشارة الى القيم التى يحملونها ويدافعون عنها . ذات الجيش الذي سبه السودانيون عندما فض الاعتصام لأنه لم يقم بحماية من كانو في ساحة الاعتصام وكأنه تنصل عن قيمهم التي أكبروها فيهم عندما كانو يدافعون عنهم . إن هذه الحالة هي شبيه تماما بحالة الثورة المهدية التي خرجت على المستعمر التركي ، الذي جاء بشكل الدولة الحديثة ، فكون نموذجا للدولة يقوم على الضرائب التي فرضت بالقوة على صغار التجار و المزارعين وهمش مراكز القوة التقليدية داخل المجتمع ، فعمل على فرض الجبايات وانتشرت المحسوبية ، وشعر السودانيين بالإهانة الشديدة وخصوصا أن المستعمر التركي لم يحترم المجتمع ولارموزه أو قيمه الاجتماعية ، كانت هذه هي أحد الأسباب التي دعت الامام محمد أحمد المهدي الى الثورة المهدية التي لم تكن على حد قول المؤرخ محمد سعيد القدال : أنها ثورة إستعاد بها السودانيون كرامتهم التي إنتهكها الاستعمار التركي . المدنية واستعادة الكرامة بعد التوقيع على الاتفاق الدستوري بين قوى اعلان الحرية و التغيير والمجلس العسكري خرجت الجموع التي أسقطت النظام المؤتمر الوطني ، فرحة بهذا الانتصار ، رسم التوقيع على الاتفاق الدستوري ملامح لكرامة ظل السودانيون يبحثون عنها طوال ثلاثين عاما ، المدنية التى تخلقت في أذهانهم أنه لا عودة لحكم عسكري الحكم الذي ظل يقهرهم دون رحمة أو يتونى في إذلالهم ، وهي سمة تحملها المؤسسة العسكرية لذلك كانت المدنية هي الطريق الوحيد الذي سلكه السودانيون من أجل حريتهم وكرامتهم و إحقاق العدالة ، تلك الشعارات التي رفعها الفاعلون أثناء الثورة . يعلم السودانيون أن المدنية الكاملة للدولة لا تحقق الا بديمقراطية كاملة وسلام يوقف نزاعات طال أمدها ، الديمقراطية التي غابت عن أجيال طويلة لمدة ثلاث عقود ، لذلك جنح السودانيون الى كرامتهم ، والحالة التي يعيشونها الان ماهو الا شعور بإسترداد كرامتهم ، والثمن الغالي الذي دفعوه من تضحيات من أجل إسترداد هذا الحق في العيش الكريم . المراجع و المصادر 1. حيدر إبراهيم علي ، السودان الوطن المضيع، القاهرة :جزيرة الورد ، 2011 القدال. 2. تاريخ السودان الحديث ، الخرطوم : مركز عبد الكريم مرغني ، الطبعة الثانية ، 2002 مجموعة مؤلفين . 3. الثورة التونسية، القادح المحلي تحت مجهر العلوم الانسانية ، الدوحة : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،2014 فوازالطرابلسي. 4. ثورات بلا ثوار: رياض الريس للكتب ، الطبعة الثانية 2014 قاسم عثمان النور. 5. اضواء علي الحركة الوطنية السودانية ، الخرطوم ، وزارة الثقافة الخرطوم ، 2004 محفوظ بشرى . 6. تأملات في العمل والسلطة ،الخرطوم : مشروع الفكر الديمقراطي ، يونيو 2016

347 .4 K

اقتصاديات القطاع الزراعي في السودان

اقتصاديات القطاع الزراعي في السودان محمد أحمد كرم الله مدون و باحث ثمة عناصر إنتاجية تمثل الأساس او حجر الزاوية بالنسبة لكل نشاط إنتاجي و هي ( الموارد ، رأس المال ، قوة العمل ) كما أنه من المعلوم انه ثمة استراتيجيات مختلفة تتبعها الدول لتمنية هذه العناصر ، و ذلك عبر محاولات السيطرة المستمرة على الطبيعة و حماية البيئة بجعلها مستدامة و ترشيد الهرم السكاني بالإضافة للاساليب المختلفة في إستقطاب رؤوس الأموال و بالنظر للوحدات الانتاجية الزراعية في السودان ، نجده غنياً و متعدد الموارد ، هذا بالإضافة إلى كون السودان لا يعاني نقصاً في العمالة الزراعية بالحد المخيف مع الاخذ في الاعتبار بأن اعداد العمال الزراعيين هي في الواقع في حالة تراجع مستمر و ذلك بسبب الظروف الانسانية السيئة التي يعملون فيها و هو أمر يقود في نهاية المطاف الي الهجرة من مناطق الإنتاج الي المدن بحثاً عن سبل افضل للحياة الكريمة انه و لتقييم عمل اي قطاع إنتاجي سواء كان زراعياً او غيره ينبغي تحليل العناصر الإنتاجية سالفة الذكر و العمل على تطويرها بصورة دائمة كما أنه ثمة اقتصاديات كلية بعينها قد تكون هي الأصلح و الاجدى من غيرها وفقاً لخصوصية المنطقة المعينة و العادات الانتاجية المتبعة فيها. فالحقيقة التي لا غموض فيها هي أن القطاع الرزاعي السوداني يعيش في حالة خاصة لا يمكن وصمها بأنها ضمن اقتصاديات الحداثة المتبعة في الدولة المتقدمة كما أنه من المخل ان يوصم القطاع الزراعي على أنه قطاع ماقبل رأسمالي فهو يخضع لسياسات العولمة الدولية و يقوم على العمل الماجور في سواده الأعظم كما أن قوى العرض و الطلب في البورصات المحلية هي التي تعمل على تحديد الأسعار و بذلك نرفض التوصيفات الأكاديمية الجامدة التي لا تتفاعل مع واقع العملية الاقتصادية السائدة و ما يترتب عليها من محاولات تأويل و ملاحقة للواقع بالنصوص التي لم تنتج اصلا في سياق السودان و علاقات الإنتاج الخاصة به و هو سلوك اكاديمي اتبعه بعض الباحثين السودانيين ، سواء في المستويات التحليلية للمشكلات او في وضع الخطط و الاستراتيجيات تعج الدراسات السودانية بالكثير من العمليات الاحصائية للوحدات الانتاجية الزراعية الكائنة فعليا و كذلك بالابحاث عن الوحدات ممكنة النمو مع تمحيص الفرص و المهددات و هي أغراض بحثية على أهميتها تقع خارج سياق تسليط الضوء الذي يعمل المقال عليه و هو كيف يساهم القطاع الزراعي في عملية التنمية مع مناقشة لبعض الطرق و الوسائل التي نراها ضرورية لعملية التنمية الاقتصادية الحمائية على المنتجات الزراعية، يقصد بالحمائية على المنتجات الزراعية إتباع الدولة لمجموعة من السياسات الاقتصادية التي تعمل على حماية المنتجين المحليين من قوى السوق المعولمة و شروط المنافسة غير المتكافئة، غير أن هذه الحماية تكون نوعاً من العزلة عن العالم و حصار على الموردين و التجار مالم تحدد بسقف زمني معلوم ينبغي أن تنجز الدولة خلاله رفقة المنتجين المحليين قفزات في القطاع الزراعي بما يجعله مؤهلاً للمنافسة عالمياً اي أن الحماية تقدم مقابل الكفاءة المتوقعة و لا تكون مستمرة لفترات طويلة جداً الا في حالات نادرة بوصفها أداة لمكافحة الفقر لدى بعض المنتجين غير القابلين للمنافسة عالمياً حتى بعد فترات زمنية و هنا يقع على عاتق الدولة حماية نمط الإنتاج الخاص بهم و العمل على البحث عن أنماط جديدة بما يسهم في عملية النمو الاقتصادي و الرعاية الاجتماعية معاً سياسة البيع العادل بحيث تقوم الدولة برعاية المنتجات الزراعية المحلية و تعمل على تسهيل عملية البيع من صغار المزارعين الي السوق العالمي ، اي ان الدولة تساهم في خفض مستويات العرض بالنسبة للبورصات المحلية في مقابل البورصات العالمية و يترتب على ذلك عائد أكبر بالنسبة للمزارعين و حصولهم على عملات صعبة بما يسهم في تراكم رؤوس الأموال لدى المنتجين و بالتالي تصبح إمكاناتهم الاستثمارية أفضل و يكون في مقدورهم جلب الأصول الزراعية الحديثة و الاستفادة من التقنيات العصرية ، و هو أمر في مجمله يساهم في زيادة النمو الاقتصادي و رفع مستويات الدخل بما يجعل من القطاع الزراعي جاذباً للإستثمار. بالإضافة إلى كونه يمثل عاملاً مهما في كسر دوائر الدخل المفرغة التي تؤثر بصورة واضحة على كفاءة القطاع الزراعي في السودان تحديد مسارات الرعي و الرقابة عليها تعتبر مشكلة المرعى في السودان واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه القطاع الزراعي ، و قد تتعدى المشكلة في بعض تجلياتها الإطار الاقتصادي لتصبح ذات جوانب إجتماعية في حال نشوب النزاعات ما بين الرعاة و المزارعين و هي نزاعات غالباً ما تأخذ مناحي عرقية بحكم تركيبة مجتمعات المزارعين و الرعاة في مختلف ارجاء السودان ، و بالتالي يتحول المنتجين المفترضين الي مقاتلين و متنازعين حول المرعى او حول الهوية ( مجتمع رعاة / مجتمع مزارعين ) اياً كانت قبائلهم بحيث يصبح الانتماء الي الطرف الآخر سبباً كافي للإقتتال . أن القطاع الرزاعي السوداني يعيش في حالة خاصة لا يمكن وصمها بأنها ضمن اقتصاديات الحداثة المتبعة في الدولة المتقدمة كما أنه من المخل ان يوصم القطاع الزراعي على أنه قطاع ماقبل رأسمالي فهو يخضع لسياسات العولمة الدولية و يقوم على العمل الماجور في سواده الأعظم كما أن قوى العرض و الطلب في البورصات المحلية هي التي تعمل على تحديد الأسعار و بذلك نرفض التوصيفات الأكاديمية الجامدة التي لا تتفاعل مع واقع العملية الاقتصادية السائدة و ما يترتب عليها من محاولات تأويل و ملاحقة للواقع بالنصوص التي لم تنتج اصلا في سياق السودان و علاقات الإنتاج الخاصه به وكذلك يترتب على سوء الرقابة على مسارات الرعي خسائر مالية ضخمة جداً ، بحيث لا يجد المزارع الذي يقوم بعمليات إنتاجية زراعية عائداً يوازي تكاليف الإنتاج و يحدث ذلك غالباً بسبب إتلاف المواشي للمحاصيل الزراعية و هو أمر يجعل من القطاع الزراعي برمته قطاعاً انتاجياً غير جاذب للعمل فيه لما يتحوي عليه من مخاطر إستثمارية سواء كان النشاط المستهدف بالنسبة للمستثمر هو الرعي او الزراعة ، علماً بأن الرعي بالإضافة للزراعة المروية و المطرية يشكلون السواد الأعظم من مجمل الأنشطة الانتاجية في القطاع الزراعي في السودان تحسين صيغ التمويل الزراعي من المفارقات المدهشة نجد أن الغالبية العظمى من الوحدات الانتاجية الزراعية هي خارج نطاق تمويل البنك الزراعي السوداني و هو الواجهة الحكومية في الإشراف على النشاط الزراعي من الناحية المصرفية ، و قد كان لهذا الغياب دوره بحيث نشأة علاقات تمويل ما بين المواطنين خصوصاً في مناطق الري المطري و هي علاقات قائمة على الطفيلية أكثر من أي شي آخر . أما المعضلة الحقيقية فقد تمثلت بتبني البنك الزراعي لهذه الصيغ التمويلة السائدة بين المواطنين مع بعض التحسينات خصوصاً فيما يتعلق بصيغة السَلم تحديداً ، و السلم هو أن يقوم البنك أو شخص بشراء المحصول قبل إكتمال جميع العمليات الانتاجية و ذلك بغرض تمويل المزارع ، و غالبا ما يتم شراء المحاصيل قبل إنتاجها بأبخس الأثمان و هو أمر يضر بالمنتجين ايما ضرر بل عله قد يرسم مفترق الطرق ما بين الكثير من المزارعين و النشاط الزراعي و بدلاً من صيغ التمويل السائدة نقترح أن تقوم الدولة بتمويل الأنشطة الزراعية مقابل الأمن الغذائي المترتب على هذه الأنشطة مع هوامش ربح ليست بالمرتفعة في البورصات المحلية و هو ما سيجلب بدوره العشرات من المنتجين المترقعين الي القطاع الزراعي مع الحفاظ على ضريبة العشرة في المئة او الزكاة ، بالإضافة إلى دخول الدولة لهذه البورصات المحلية بإعتبارها أكبر مشتري و بذلك تضلع الدولة في تحديد الأسعار المحلية و هو أمر يجعل الدولة قاب قوسين او أدنى من دخول البورصات العالمية بثقل الإنتاج المحلي و هو أمر يحبذ ان يتم الإقبال عليه رفقة إتحادات المنتجين الدولية المختلفة و الضغط في إتجاه تحسين العائد من المحاصيل خصوصاً تلك التي لا تنتج بوفرة او جودة عالية في كثير من البلدان ، و اذا أخذنا في الاعتبار التنوع الكبير للانشطة الزراعية في السودان و على هدى هذه السياسية الاقتصادية يصبح من المتوقع أن يكون السودان من أكبر المساهمين عالمياً في عملية التداول في البورصات العالمية .

165 .4 K

أسبقية الظاهرة علي المنهج

أسبقية الظاهرة علي المنهج حسان الناصر - باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا تتعقد الحياة البشرية شيئا فشيئا وتتقلص الفوارق في المسافات و الأزمنة وحتى الأماكن ، ولم يعد الإنسان ذاك الكائن الذي يزعن الظروف الطبيعة أو مجريات الصدفة ، اتسعت المعرفة الانسانية لتشهد تراكم هائل في شتى المجالات سواء في العلوم الطبيعية أو المعارف الإنسانية وغيرها ، صار بالإمكان أن تسمع مقطوعة منذ القرن السابع عشر وأنت تجلس في قرية بسيطة ربما لم يتصورها عازف المقطوعة . لتصبح الظواهر الإجتماعية أكثر تعقيداً بهذا الترابط ، (فالسوق) استطاع أن يربط بين الموضة التي تنتج في فصل الشتاء علي صفحات مجلات باريس وبين غياب الأم العاملة في مصانع تايوان عن المنزل أو الصراع الذي يدور في الكنغو بين المسلحين و الحكومة هناك . وعدد الأطفال الذين يجندون في قوات الدعم السريع سنوياً . وهذا ما يقودني الي طرح (الظاهرة) كمرتكز أساسي داخل علم الإجتماع ولها أولوية قبل سؤال المنهج ، ولا يعني هذا عدم أهمية المنهج ولكن وفقاً لمقومات البحث العلمي فإن الإطار النظري يسبق الظاهرة في التقدم داخل متن البحث الكتابي ولكن ما أود عكسه هنا هو أن تأتي الظاهرة في عملية البحث و الكتابة أولاً قبل سؤال المنهج ، أي عندما قيام الباحث بملاحظة الظاهرة عليه أن ينحاز في بادئ الأمر لها ليكون جزءاً من تشکلها حتى يخترقها ويعمل على فهم طبيعة حركتها مما يسمح له برؤية أكثر عمقاً ويتعامل معها وفق طبيعتها الداخلية ومن ثم تقوده هي الي المنهج لا يقودها هو ، علي الباحث الإجتماعي ( ليس من باب الوجوب أو الفرض ) أن يتشبع بمقدار من القلق و الشك المتقد الذي يسمح له بالنظر خارج صناديق المناهج وأن لا يجعل من الظاهرة مصفوفة حتى يستطيع فهمها بل عليه أن يزعن للتشتت الذي تقوده إليه الظاهرة . عندما أقول الظاهرة فإنني لا اريد تعريفها تعريفاً منهجية ومعيارياً يكبل من مفهومهاً داخل النص هذا فقد تكون الظاهرة هي ملاحظة بسيطة كأن يتوارد إليك سؤلاً بسيطاً (لماذا دائما ما يرتدي الأساتذة السودانيين بدل واسعة وغير متناسقة) إن هذا السؤال الذي ورد إلي هو من جراء ملاحظة يومية ولكن عندما لجأت الي ذاكرتي وجدت أن هذا المشهد متكرر حتی داخل المؤسسات الرسمية وحتى رئيس المجلس السيادي للحكومة الانتقالية هو علي هذه الشاكلة ، قد يفتح السؤال هذا أسئلة عديدة ومترابطة مع بعضها معنية بطبيعة التربية و الذوق العام ومدى تجانس الوعي الحداثي مع تمثله في المجتمع ومظاهر الزي عند النخبة المتعلمة منذ مراحل دراستهم الأولية وحتى الجامعة ، قد يقود هذا السؤال الي غاهب موغلة داخل المجتمع السوداني ما أردته من هذا المثال هو كيف أن الظاهرة قد يقودها إليك خيط شعاع بسيط ؟ قد تغفل عنه من جراء رؤيتك للمجتمع من خلال المنهج الذي غرس فيك وكبلك ، أن هذا الافتراض الذي أحاول تأكيده هنا مرتبط بطبيعة التعليم وعملية التعلم التي تنتج داخل المؤسس ات الأكاديمية التي تفترض انها تبني الهيكل دون أن تناقش المضمون ولكنها تغفل عن نقطة مهمة وهي أنه بمجرد بناء هذا الهيكل تكون قد صممت خط إنتاج معين للطلاب سيركنون إليه دائما ، لذلك علينا كطلاب أن نوقظ روح القلق الدائم و التشتت الذي لا يمكن أن يتم إحتواءه ، علينا أن نتمرد علي محاولة أي تحديد لفكرة الهيكل هذه ، بالتأكيد أنا لا أعني أن نكفر بالمنهج ولكن أعنى أن يتجاوز التفكير حدود هذه الأبنية الأكاديمية علينا أن نتمرد على تاريخ المعرفة الذي يعطى ونلتهمه دون أن نعيد طهيه من جديد ، علينا أن نبتعد من ثقافة الوجبات الجاهزية في المعرفة وأن نتمرد في فكرتنا المنتجة نفسها وطبيعة العمل علي صك المفاهيم ، وأن ندفع بحس النقد داخل بداية التكوين الأولي الذي يدفعنا لدراسة ما حولنا من ظواهر ، لنبقى على المنهج مجرد أداة لا موضوع اشتغال أساسي يكبل من جماح عقولنا نحو الإنعتاق من هذه الأطر المعدة مسبقا ، علي باحث الإجتماع أن يكون عازف موسيقى يسلم بالمنهج ولكنه يبدع في استنباط المقطوعات .

993 .3 K

الثورة السودانية وتفكيك النظام الأبوي

الثورة السودانية وتفكيك النظام الأبوي حسان الناصر باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا – علم الإجتماع والأنثربولوجيا الناظر الي حالة المجتمعات التي لم تنعم بديمقراطية طويلة المدى، يرى أن هنالك إشكال أساسي في تجربتها سواء أكانت علي الصعيد المؤسسي في الفضاء المدني أو علي المستوى الإجتماعي بين الأفراد، ومما لاشك فيه فإن مجتمعا مثل المجتمع السوداني يعيش حالة من الإنفصام ( المفارقة بين المجتمع والدولة كما ينبغي أن تكون عليه ) داخل تقسيماته الإجتماعية (فالمدنية) التي كانت شعار رفع بعد سقوط النظام الإسلامي الشمولي لا تتجسد إلا داخل (المدينة) في صورة مادية مخالفة لطبيعة الريف وليست فضاء مدني بكامل حمولته الإقتصادية والسياسية فلم تتم إعادة إنتاج العلاقات الإجتماعية وفقا للمصالح الإقتصادية المشتركة أو بوعي سياسي مختلف عن الوعي العشائري الذي يقوم علي الحس القبلي للأفراد بمعنى أن العلاقات الإجتماعية لم تنتقل بعد من علاقات الدم إلى علاقات العمل وهذا ما انعكس بطبيعة الحال على مؤسسة الدولة و الممارسة السياسية للأنظمة التي تعاقبت على سدة الحكم منذ الاستقلال. إن شكل المجتمع السوداني وتشكلات السلطة الإجتماعية فيه ما زالت تحافظ علي وجودها وتدافع عن هذا الوجود منذ ظهور الحداثة في المجتمع السوداني بصورتها المؤسسية التي جبل عليها أفراد المجتمع قسرا عبر الاستعمار ، ولم تتجسد القيم التي تسمح للفرد بالابداع وبناء فضاء حر يعبر من خلاله عن ذاته. وليس هذا وحسب بل عملت هذه السلطة علي إنتاج نفسها داخل أوعية الحداثة الجديدة بحيث إستوعبت الحداثة في شروط جديدة وأنتجت الحقل السياسي و الثقافي والإقتصادي في ظل سلطة إجتماعية متمركزة نحو ( الأبوية) فتشرب النظام السياسي و العلاقات الإجتماعية هذه (الابوية) فظهرت في النظرية السياسية وظهرت في شكل القوانين المقيدة للحريات بجانب ظهورها حتى في طرق التفكير و السلوك الإجتماعي للأفراد و الجماعات . إنّ انتزاع الهويّة الذكورية إذن يتمّ بتنظيم من الجماعة، وذلك بتشجيع هذا الانفصال عبر سلسلة من طقوس التنصيب الموجهة للترجيل بدءاً من حلق شعر الرأس مروراً بالألعاب والألبسة الذكورية والتمنطق بالخنجر وصولاً إلى رياضات خاصّة كالصيد، قطعاً مع العالم الأمومي للفتيات القريبات من أمهاتهن الأهمية لا شك فيه أن الثورة التي جرت في ديسمبر قد طالت ليس النظام السياسي وحسب وإنما حتى النظم الاجتماعية التي وفرت مناخا ملائما لعمل النظام الشمولي قد طالها التغيير أو هي الان في طور التحلل و الذوبان لذلك تفحص هذه الورقة سؤال حول هذه القضية وهي الي أي مدى يمكن للثورة تفكيك النظام الابوي علي المستوى الاجتماعي لكي نستطيع فهم المصطلح لابد لنا من البحث في كتابات بورديو التي يمكنها أن تفسر لنا حالة الهيمنة الذكورية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية عموماً و المحلية بالخصوص ، إن بناء بورديو المفاهيمي يقوم علي أساس تحليل تلك البنى التي علي إعادة انتاج النموذج الذكوري في تشكل الافراد (ذكور، اناث) ، لا يختلف نموذج الابوة عن الذكورية فهو الاصل ينطلقان من ذات الخطاب الذي يستند عليه الاثنان معا. النظام الابوي أكثر شمولية عند قراءته من الهيمنة الذكورية فدراسة النظام الأبوي تفسر لنا حالة الذكورية التي تمارس داخل نظام المجتمع إذن يمكننا أن نقول بأن الهيمنة الذكورية تجد متسعاً لها في ظل النظام الابوي السائد في المجتمع ومؤسساته. التحليل : إن المجتمع الذي تقضي ثقافته بجعل السيطرة والسلطة بين أيدي كبير العائلة أو الجماعة القرابيّة. والاعتقاد بتفوّق الرجل بدنيّا واجتماعيّا وبانخفاض مركز المرأة وطبقا لهذا النظام ينتسب الأولاد للأب وتقيم الزوجة حيث يوجد مسكن الزوج. يتضح في المجتمع الأبوي أن تركيبة المجتمع ( تقليدية ) أي أنها لم تنتقل بعد الي علاقات تكون تركيبتها تقوم علي أساس العمل أو المصالح المشتركة ، المشاهد الى الحالة الإجتماعية في السودان يرى أن النظام الأبوي متمثل في الشكل العام للمؤسسات السياسية و الخطاب أيضا الذي نتنتجه هذه المؤسسات ، فإذا نظرنا إلى المؤسسات الحديثة مثلا نجد أنها تمثل صورة أخرى من صور الأبوية . بمعنى أن النظام الأبوي في الأساس يستند علي تركيبة المجتمع (التقليدية ) ، والتي تستند في الأساس علي متركزات رئيسية أصبحت جزء من الثقافة و السلوك الإجتماعي ، فالمقولات الدينية و السردية الإجتماعية تعزز من هذه القيم الأبوية لتكون من صميم تفكير المجتمع وهويته الثقافية حتى التي يعبر عنها في النشاط الثقافي وفي التراث وغيره . إن الشمولية ماهي الا تحالف بين نظام أبوي ومؤسسات أكثر أبوية في الدولة ، فالأسرة الصغيرة يتمثل فيها الأب دور الدكتاتور الذي يرى مصلحة الجميع وهم لا يعرفون مصالحهم لذلك من واجبه أن يحميهم ويحافظ عليهم. إن نظرنا الي المؤسسات الحديثة في المجتمع نرى أنها قد شبعت بهذه القيم فالمدرسة و المنهج نجد أنهما يمارسان سلطة قهرية متمثلة في الوصايا التي تفرضها إتجاه التلاميذ مطابقة تماما لتلك التي تمارس من قبل الاب ، والتي تطابق قيم المجتمع الأبوي . فتطابق النموذج الحديث للدولة مع قيم الأبوية ليشكل تعقيدا شائكاً ، وليس هذا وحسب بل وفر الخطاب الديني غطاءاً جيداً لهذه الأنماط السلطوية مما سمح لها بري الوعي العام بهذه القيم . فمن خلال القهر الممارس تعمل تلك المؤسسات علي إعادة إنتاج الأفراد ، وبالتأكيد لا تقف الأبوية عند هذا الحد بل تنتقل الي المؤسسات السياسية أيضا والى النظرية السياسية علي مستوى الممارسة وعلي مستوى النسق المعرفي للنظرية السياسية ، فيحل الحزب مكان القبيلة والأمين العام أو السكرتير محل الأب فتمارس الأبوية داخل المؤسسة أيضا من أعلى هياكلها إلى أدنى مستوياتها بل ينتقل هذا الخطاب الي الفضاء العام ليتماهى مع التصورات الإجتماعية . لاشك أن الأبوية والشمولية متلازمات والنظام السياسي الشمولي في حقيقته هو نظام أبوي ، فيفرض الوصايا و يحد من الحقوق ويمنع كافة أشكال الحرية أو الفردانية وتصبح الدولة حينها أشبه ما يكون بالقبيلة أو الأسرة فتمحى الهويات المختلفة وتذاب في قالب واحد كما ألواح الصابون ويتماهى المجتمع والمؤسسات في جلباب واحد لا إختلاف فيه . إن الشمولية ماهي الا تحالف بين نظام أبوي ومؤسسات أكثر أبوية في الدولة ، فالأسرة الصغيرة يتمثل فيها الأب دور الدكتاتور الذي يرى مصلحة الجميع وهم لا يعرفون مصالحهم لذلك من واجبه أن يحميهم ويحافظ عليهم ، بالتأكيد إن هذا الخطاب هو نفسه خطاب الدكتاتور العسكري ، فهو يخاف علي البلاد من التفكك و الانحلال و الضياع ويخاف عليه من أن ينهار ويتفكك ، إن ( عمر البشير ) ما هو إلا تمثل لصورة الأب داخل المجتمع السوداني ، بكافة مؤسساته التي كانت تعمل علي قهر المجتمع فالأنظمة الشمولية تعمل علي إفقار المجتمعات عبر مؤسسات الدولة بحيث تكون القوة المادية و الإنتاج يعود إليها ، وتحل مؤسسات الحزب أو الجماعة محل مؤسسات الدولة ، هنا بالتأكيد ينحل العقد الإجتماعي بين الأفراد والدولة ويصبح الأفراد مجرد رعايا في طرف الدولة ، وأحيانا تكون الدولة أشد قهرا من الأب ومن الأسرة . إلا إنهما وجهان لعملة واحدة . ولا أعني بهذا أن الدولة بنموذجها الحديث هي بريئة من هذه المعضلة وأنها ليست أداة قهر هي الأخرى ، مما لا شك فيه أن النموذج الحديث للدولة في السياق السوداني إتخذت نموذج قهر منذ التركية ، ويظهر ذلك في النزعة المركزية التي أسست علي أساسها كانت أشد بطشا بالمجتمعات ، وإتخذت من القمع أداة لتوحيد المجتمعات القبلية مما خلق فجوة بين الدولة و المجتمع متمثلة حتى يومنا هذا ، ويظهر ان الأفراد و المجتمعات يشعرون بحالة اللاإنتماء للدولة وأنها ليست معبرة عنهم وخصوصا المجتمعات التي تعيش علي هامش السلطة ، مما تمظهر ذلك في حروب ونزاعات إمتدت لأكثر من ستون عاماً . أبرز مافي هذه الثورة من سمات هي السلمية الخاتمة : إذن كيف يمكن لنا وبعد ثلاثون عاماً من حكم أبوي شمولي أن ننفذ لحالة جديدة يستعيد فيها المجتمع عافيته ويجد الأفراد حقهم السياسي في التعبير عن أنفسهم كمواطنين لا كمقهورين ويعاد صياغة الدولة الحديثة من الحالة الإستعمارية الى الحالة الوطنية التي يجب أن تعيشها المجتمعات . لا شك أن الثورة تمثل لحظة إنتقال من وضعية تاريخية الي وضعية مختلفة تماما ، فالثورة التي قامت ظهرت في بادئ الأمر كأنها حركة تمرد في المقام الأول علي الطبيعة الإجتماعية للمجتمع وظهر هذا جليا في الفترات الأخيرة من حراك الثوري . مع أن الثورة إنطلقت علي وضعية سياسية إقتصادية إلا أنها سرعان ما تغيرت الي مواجهة مباشرة علي مستويين : المستوى الأول المواجهة السياسية مع النظام الشمولي حيث واجهة الحراك الخطاب الشمولي عبر بلورة مواقف معبرة وتجلى ذلك في خطاب الثورة نفسه (حرية – سلام -عدالة ) ومن ثم مواجهة مع آلة العنف والبطش المتمثلة في المؤسسات الأمنية و البولسية للنظام . وهي في الحقيقة في ظاهرها مواجهة لنموذج الدولة الحديثة الذي تبلور منذ الاستعمار ، فالمؤسسات التي تعبر عن الدولة مازالت باقية في نموذجها الإستعمار الخالص ، فالقصر الجمهموري وإن كان يحمل رمزية الحاكم العام مازال محافظاً علي هذه الرمزية لنرى أن الرئيس ما هو إلا أمتداد للحاكم العام . وقد يكون أبرز مافي هذه الثورة من سمات هي السلمية ، وهنا نشير الي تغير الشروط التي كانت يمكن أن تبقي علي النظام القمعي إذا ما سقط الفاعلون فيه وهو ان يجروا الى العنف . بذلك تكون الممارسة الثورية قد نقلت سلطة الدولة الي شروط مختلفة عن الشروط التي تلعب فيها ، مما أدى الي خلل في عمل الأجهزة الأمنية ، والنموذج اللامركزي الذي إبتدعته قوى الثورة الإجتماعية أدى الي أن تعيق تفكير الدولة و تشتت عملها ، فالشروط الذي أنتجت العملية السياسية هو نموذج مركزي خالص إستطاع أن يكبل من عمل القوى السياسية بسبب أنها تتخذ من ذات الممارسة شكلا لها . يبدو أن الثورة قامت علي النموذج النظري للممارسة السياسية التقليدية ، الذي يسند علي المركزية وتحكم السلطة المركزية للحزب أي أن الثورة لم تقم علي مشاكل الدولة و المؤسسات بل تجاوزتها لرفض المؤسسة المنتجة لهذا النموذج وهذا ما ظهر جليا في رفض القوى الثورية ( لجان المقاومة ، لجان الأحياء) ، بالتأكيد هذا الرفض ليس ناتجا من تنازع حول مسألة سياسية وإنما نابع من شكل إجتماعي آخر يخفي هذا الرفض ، وأذهب الي تفسير هذا الرفض الى أنه رفض للمؤسسة الأبوية والذكورية في المجتمع السوداني . بالتأكيد لا تنفصل السلطة الإجتماعية عن السلط السياسية . فالثانية تستمد قوتها وفعلها من الأولى ، وتساهم السلطة السياسية بالتأكيد في إعادة بناء السلطة الإجتماعية من جديد فالناظر الي حالة الأسرة السودانية قبل ثلاثين عاما يرى مشهدا مختلفا تماما ، فلقد قام النظام السياسي بإعادة تعريف الأسرة نفسها وبمعنى آخر إعادة ترتيب المجتمع ومراكز قوته عبر أدوات السيطرة بكافة أنواعها ، مما أعلى قيمة الأب بحيث تتماثل الأسرة مع قيم السلطة وتشكلاتها . لذلك كان رد الفعل الإجتماعي عند قيام هذه الإحنجاجات مختلف تماما وإن كانت معاناة الأب الإقتصادية اكبر وأقسى بإعتبار الإمتيازات التي ينلقاها من جراء القيام بوظيفته الإقتصادية داخل الأسرة تصادم هذه القوى الجديدة هو في الأساس تصادم قيمي ونزوع نحو كسر هذه السلطة ، فالقيم التي يحملها الشباب هي مختلفة تماماً عن تلك القيم التي نشؤو عليها ، فلقد تمت إعادة انتاج هذه القيم وتعريتها تماما في حقل مختلف عن الحقل الأسري ، فمواقع التواصل الإجتماعي و إبتعاد الأب عن الرقابة الأسرية سمح وخلق فجوة مما أدى الي دخول قيم جديدة مختلفة عن تلك الأسرية ، فمجموعات التي علي (الواتساب ) سمحت لأن تتم أعادة ترتيب لفضاء الأسرة نفسه فبدل أن تكون التراتبية موجودة داخل فضاء المنزل مثلا أن تنفصل أماكن جلوس الرجال عن النساء ، سمحت هذه المجموعات بأن تكون كل الأسرة موجودة في مكان واحد مما يسحب الفضاء الأسري الي مكان تصير فيه لغة الحوار متداولة للجميع. بالإضافة الي هذا الأمر فإن الأزمات الإقتصادية التي عصفت بالمجتمع في كل الطبقات و الفئات سمحت بخروج العديدين من الشباب و الشبات وربات المنازل الي سوق العمل مما أعاد طبيعة ترتيب السلطة داخل منظومة الأسرة وبالإضافة الى خلق قوى إجتماعية جديدة متحركة داخل الفضاء العام ، مما غير من المشهد العام للمجتمع فأصبح وجود المرأة في الساحة الشعبية بدل أن تكون المقاهي مثلا و المطاعم فضاء ذكوري تام إقتحمت المرأة هذا الفضاء وأعادت صناعة الخطاب ، إذن يتضح أن التغير الذي حدث للبنى الإجتماعية صاحبه تغيير في كافة مكامن السلطة الأبوية التي كانت تمثل حجر عثرة أمام أي تغيير أو محاولة خلق فضاءات جديدة . لا يبدو أن بعد سقوط النظام قد تبدل الحال كثيرا لطبيعة التغيير الإجتماعي الذي يحتاج إليه المجتمع ولكن يمكن أن نقول : الساحة الإجتماعية قد باتت الأن تسمح بنشوء حركة إجتماعية تعيد صك مفاهيم جديدة وقيم جديدة تسهم في ذوبان البنى الأبوية التي كانت تتحكم في مفاصل المجتمع ، وقد لا يحدث هذا الأمر ويرتد المجتمع مرة أخرى لنفس البنى القديمة بسبب ربط نجاح الثورة من عدمها بالوضع السياسي وهو الفخ الذي ستجر له هذه القوى الإجتماعية ، مالم تعمل علي بناء بردايم نظري يفضي الي تغيير من بنى المجتمع وجل ما قد يغشاه المرء أن يحدث هذا الإنتقال الاجتماعي ونحن مجبولون عليه فتنعكس الصورة السابقة بكامل حمولتها بمعنى أن تحاول القوى السياسية فرض توجهاتها الفكرية علي المجتمع دون أن توجد حد أدنى من درجة الوعي بهذه التحولات مما يسمح بإرتداد المجتمع وإحداث شرخ فيه كما هو موجود في العديد من البلدان التي ظهر فيها التطرف نتيجة للقمع السياسي و القوة في فرض التوجهات الحداثية . المراجع و المصادر : 1. يير بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009 أحمد زكي بدوي . 2. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعيّة. بيروت: مكتبة لبنان , الطبعة الثانية ،1993 هشام شرابي . 3. النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992

276 .3 K

الدين والثورة في فكر علي عزت بجوفيتش وعلي شريعتي

الدين والثورة.. في فكر علي عزت بيجوفيتش وعلي شريعتي القاسم عبدالله الظافر علي الصعيد الشخصي، إزدت فخراً وتهياً وكِدتُ بأخمصيَّ أطأ الثريا، عندما قرأت أنه صلي الله علية وسلم كان يحتفظ بتسعة سيوف وثلاثة رماح وسبعة دروع وثلاثة تروس وأسلحة أخري. فهذا "الرسول الثوري-المقاتل" ما كان ليرضي بالذل والرضوخ للمعاناة، بل كان قدوة في محاربة الشر والظلم والإستبداد، فهذه المقاومة إرتبطت عندنا بمفهوم التدين وهذه الروح هي التي سرت داخل الشعائر الدينية والمظاهر التعبدية وجعلت منها معاني ثورية عميقة، فأصبح هذا المشروع الإلهٰي دافعاً ومؤسساً لمجموعة جوهرية من القواعد السياسية والإجتماعية. فالصلاة يوجد بداخلها معني ثوري عميق. أولٰئك المصلين كل حركاتهم وسكناتهم ثورية، وأولٰئك الثوار وكأنهم في صلاة جماعية - في الصلاة الله أكبر شعار للثورة علي الغوايه الشيطانية والرغبات الدنيوية، وفي الثورة شعار سقوط الطاغية تأكيداً لله الواحد الذي هو أكبر من كل نفس فرعونية. وفي الصلاة نسد الخلل ثورة علي شيطان العنصرية، وفي الثورة التلاحم والحميمية والتضحية ترجمة عملية لهدم أصنام القبلية. وفي الصلاة برنامج ثوري إصلاحي، وفي الثورة برنامج تعبدي إصلاحي، فالمساجد ساحات ثورية، وميادين الثوار مساجد طاهرة. فالثوار هم المصلين، والمصلين هم أئمة ثائرين، وطوبى لمن صلي ثائراً وثار مصلياً. وكذالك سائر الشعائر الدينية من صيام وزكاة وحج وغيرها تتحلي في داخلها بهذه المعاني الحية المتصله بواقع الناس وحياة المجتمع، حيث لا يتسع المجال هنا لسردها تباعاً. بحث علي عزت بجوفيتش (1925 - 2003م) عن المكونات الجوّانية للشعور الثوري وعلاقته وتقاطعاته بالشعور الديني، حيث أن مجموعة المشاعر الثورية مثل التضحية والتضامن والمصير المشترك التي تتخلل الفعل الثوري هي في طبيعتها مشاعر دينية فكل مظاهر الدين تجدها محفزة لإيجاد علاقة حميمية بين الأفراد تسودها الأخوة والتضامن والتضحية. ويعتبر أن المجتمع الذي تسيطر علية هذه المشاعر الثورية هو في حقيقتة يعيش في حالة دينية، وبالتالي فإن المجتمع الذي يعجز عن التدين يعجز أيضاً عن القيام بالثورة لغياب المحركات الداخلية لها. كما أنه أحدث مقارنه هامة بين الدين المجرد والإسلام، الدين الذي يأخذ موقفاً سلبياً من الإعتقاد الإنساني بتنظيم العالم الخارجي أو تغييره ويعتبرها خطيئة، بإعتبار أن العالم الخارجي تهيمن عليه قوي الشر والشيطان ولا سبيل لإصلاحه، مبلغ المتدين في هذا الدين المجرد هو ذاته وتجنب الزلات، فيقدم هذا الدين إجابة علي سؤال كيف تحيا في ذاتك وكيفية مواجهة هذه الذات إستناداً الي مقولة المسيح "مملكتي ليست في هذه العالم". وعلي الجانب الآخر يقع الإسلام الذي يقف موقفاً إجابياً من التعامل مع الواقع بل يدعو الي العمل علي تغييره، وبذلك يكون الإسلام قد قدم إجابة علي سؤال كيف تعيش في العالم مع الآخرين ويتعدى التمحور حول الذات. ويتضح ذلك عندما تجنب المسيح دخول القدس لأنها مدينة الفريّسيين والدجالين والكفار وأصحاب الإيمان السطحي، في حين آثر محمد (ص) دخول مكة وكان الإسلام دائماً يبحث عن هذه المدن والأمصار حتي يفتحها ويصلح ما بداخلها، رحلة غار حراء وأسواق مكة جمعت بين الشحذ الروحي الفرداني والتعامل مع الواقع الحياة والمجتمع بغية إصلاحة وبذلك إستمد الإسلام سمته في التعامل مع الواقع والعمل علي تغييره. وبذات النهج إنطلق علي شريعتي (1933 - 1977م) في البحث عن ماهية الدين الثوري أو دين التوحيد (الإسلام)، ذلك الدين الذي يغذي أتباعه ومعتنقيه برؤية نقدية حيال كل ما يحيط بهم من بيئة مادية ومعنوية، بل ويحثهم للسعي وراء ذلك دائماً وأبداً، كما عبر عن الكشف عن سمات هذا الدين بالبحث في أثار الحركة الأولي لأنبياء التوحيد حيث إعتبر تلك الحقبة هي الأصدق في نقل والكشف عن المعاني الداخلية للدين، فكانت حركة الأنبياء عبارة عن رفض للوضع القائم وتمرد علي كل جور وفساد وأتي هذا المعني مصاحباً للعبودية والخضوع لله وحده. وأخذ من حركة موسي علية السلام الذي كان ثائراً في وجه ثلاث أقطاب قارون الذي كان يمثل الرأس المالية، وبلعم بن باعورا ممثل لشخصية رجل الدين المنحرف، واخيراً فرعون صاحب أبشع إستغلال للنفوذ السياسي والسيادي. وعلي الجانب الآخر كشف علي شريعتي عن ماهية الدين التبريري أو دين الشرك الذي يقع في تضاد مع الدين الثوري أو التوحيدي، الذي يبرر الوضع القائم عبر تحريف المعتقدات والمباديء العقائدية، ويحاول بهذا إقناع الجماهير بأن وضعهم الراهن هو الأمثل ويجب أن يرضوا به لأنه مظهر لإرادة الله ويندرج هذا التبرير تحت المصير المحتوم الذي كتبة الله. إتفق كل من بجوفيتش وشريعتي في تتبع ذات المنهج بتقسيم كل الدين الي قسمين رئيسيين، عند بجوفيتش تجده مايّيز بين الدين المجرد من ناحية والإسلام الدين المطلق من ناحية أخري، وكذلك شريعتي مايّيز بين الدين الثوري أو دين التوحيد والآخر الدين التبريري أو دين الشرك. كما إتفقا علي المحرك الداخلي لدين التوحيد-الدين الثوري (الإسلام) وهي عدم إستثنائيتة للواقع وتعاملة المباشر معه بل حث معتنقيه علي تغييره ما أمكن بعكس الدين المجرد أو التبريري (دين الشرك) الذي يسوغ لقبول الواقع ويجعل من ذلك حتمية إلٰهية يجب التسليم لها. وتتسع المقارنة حتي تصل الي الظلال التي تنعكس علي المجتمع الذي يعتنق هذا الدين أو ذاك، حتي في أنماط معالم الدينية توجد فوارق لها ظلال علي المجتمع فهنالك مقارنه بين الدور الوظيفي للكنسية والمسجد علي سبيل المثال أو بين الطبقات والفوارق التي أحدثها الدين المجرد كالرهبان والأكليروس وعامة الشعب والتي لا تجد لها وجود في دين الثوري أو الإسلام. أخذت الأفكار الرئيسية للمفكريّن من كتابي الإسلام بين الشرق والغرب - علي عزّت، ودين ضد دين - علي شريعتي.

52 .3 K

مِهنة مَنْ لا مِهنة له

فوق اليابسة | مِهنة مَنْ لا مِهنة له أُبي عمر سليم _ مُدون منظمة الصيادلة السودانيين يُعتبر القطاع الصحي من أهم القطاعات في بناء الدول والمجتمعات والمؤسسات والأفراد دون استثناء إذ تُشكل الصحة حجر الأساس للإنسان التى تمكنه من الإنتاجية والقيام بنشاطات بدنية و ذهنية من أجل تحقيق غرض معين و ذو منفعة سواء ذاتية أو مجتمعية على حد سواء. نتيجة لذلك، فقد اقترن التسجيل للكليات الطبية دوماً بِشروطٍ مُعينة تُميزها عن باقي الكليات، مع التأكيد على أن المُهندس بإمكانه ان يتسبب في هدمِ عِمارةٍ على رؤوسِ ساكنيها، و بإمكانِ خريجِ اللُغات أن يُترجم معلومةً خاطئة وغيرها من الأشياء المُهمة لكل المجالات بلا استثناءٍ و لكنني تعمدت التركيز على مجالِ الصحة و العُلوم الطبية كوْنها ذاتِ موضعٍ حساس و مؤثر؛ بطريقةٍ مُباشرة على سُلوكيات المريض وحياته و إسلوب معيشته للمدى القريب والبعيد. في عالم الصيدلة بالسودان، وعلى قدر أهمية تلك المهنة يبدّو الصيدلي هو المسؤول الأول والأخير عن جميع العلاجات بأنواعها وتوفير جميع المستلزمات الطبية بالمستشفيات، و بإعتبارهِ آخر فرد من القطاع الصِّحي يقابل المريض، وغيرها من الأشياء،فإننا نعيش في تهاونٍ غريب، بل و معيبٍ من جانب الجِهاتِ الرقابية و العناصر القانونية المسؤولة في مواجهة عديمي الضمير الإنساني و عاشقي المادة بكامل أشكالها. لكم أن تتَخيلوا أن هيئة التدريب الرسمية في السودان تعترف بما يسمى بكورس الصيدلي الوظيفي، و مدته ثلاثةِ أشْهُر أو شهرين وقد يصل لشهر واحد مُكثّف، بل و يُمكّن توثيّق شهادته في الجهات العليا، ليس هذا فقط، بل يمكن كذلك العمل به و هو معترف به من قبل أصحابِ الصيّدليات و بمرتبٍ مُعيّن وِفقاً لِمّا يتفق عليه الطرفان هل تعلمون أين المصُيبة، هل تستطيعون تصّور حجم هذّهِ الكارِثّة، فالغالبية من أصحاب الصيدليات بتفكيرهم الاستثماري (المنطقي) يُفْضلُون التعاقُد مع صاحب الثلاثة أشهُر حيثُ يُعتبر مرتبه أقل بكثير من مُرتّب الصيّدلي و لا يُكلّف صاحب الصيدلية شيئاً إذ يتفقان الطرفان في الفائدة المادية و تغيب عنهما الفائدة الصحية للمريض أو اختيار أفضل خيار له حتى و إن لم يكن موجود بالصيدلية ليس هذا فقط، بل إن صاحب الثلاثةِ أشهُر يعمل بنفس دوام الصيدلي صاحب الخمسة سنوات دراسية و ينال رضاً أكبر من غالبية أصحاب الصيدليات والضحية الأول و الأخيرة هو المريض الذى وثق في الصيدلية أولاً ومن ثم وثّقَ في من يُحادثّه ظناً أنه ( الصيّدلي صاحب البِكالريوس على أقل تقدير) و لم يكن يعلم أنه ( الموظف ذُو الثلاثة أشهر على أقصى تقدير) القضية لا تتوقف عند هذا الحد، فالأضرار المُترتبة على تلك المُعطيّات أكبّر بكثير من ذلك و سأعطيكُم مِثال واحد في هذا المقال، تخيلوا أن أحد مرضى الغُدة وُصف له علاج يسمى بال (Carbimazole) و هو خاص بنشاطات الغُدّة، فتم إعطاءهُ بِما يُسمى ب (Carbamazepine) وهو مُضاد للصرّع والتشنجات، والمُصيبة الأكبر أن المريض ظل يُداوِم عليه لِمُدة شهرين قبل أن يكتشف أحد الصيادّلة ذلك الخطأ الكارثي و المُدمّر للصحة من كل المستويات! إِن صاحب الثلاثةِ أشهُر ( إن لم يكن شهرين أو شهر ) لا تنحصّر مصائبه في صرفِ الدواء الخاطئ فقط، بل كذلك بصرف الأدوية الغير لازّمة ( الإيراد أولاً و آخرِاً ) و تحديدِ جرعات خاطئة و إعطا�� معلومات لا أساس لها من الصِحة، خاصةً مِثل الممنوعات في إستعمال الدواء و محاذيره وتفاعلاته مع الأدوية والاطعمة و الأعشاب، ومن أين له بِمثل هذهِ المعلومات في ثلاثة أشهر فقط. الأمثلة عديدة و الدلائل الشاهدة على كارثية هذا الأمر لا تُحصى ولا تعد و سنتطرق لها جميعها و لكن أحّبُّ ان أُنبهكُم إلى الجانب الأكثر ظلاماً مِما ذكرته وهو أن من يُدَّرِسون هذهِ الكورسات و يمنحُون تلك الشهادات لهؤلاء الأفراد هم الصيادلة أنفسهم! وسنتطرق لكل هذا بالأجزاء القادمة بإذن الله تعالى. فوق اليابسة ما أكثر أصحاب الصيدليات الذين هددوا الصيادلة عندما طالبوهم ببعض الأساسيّات أو زِيّادة للحوافز بأنهم سيجلبوا ذوي الثلاثة أشهُر ليحلوا محلهم مُستدلين على إمكانيتهم في زيادة الإِيراد اليومي للصيدلية أكّثر من الصيادلة بأضعاف مضاعفة.

951 .2 K

جامعة أفريقيا العالمية

جامعة أفريقيا العالمية: سفارة عبد الله علي إبراهيم لا أعرف ملابسات تعطيل اجتماع مجلس أمناء جامعة أفريقيا العالمية. وودت لو انعقد مع ذلك. فهو مما ستظل حاجة الجامعة، برسالتها في تعليم أولاد المسلمين وبناتهم في أفريقيا بالذات، له ماسة. ووددت لو اجتمعت بهم سلطات التعليم العالي لتجديد العهد معهم لمواصلة عنايتهم بالجامعة. وكنا خسرنا هذه العناية بالجامعة على أيام كانت المركز الإسلامي الأفريقي من جراء شغب الإنقاذ وشططها مع الدول الإسلامية التي وقفت معها أول مرة. ولا أذكر متى عادوا للعناية بالمركز الذي صار جامعة وطيدة الجناب. وددت لو ميزنا بغير هوادة بين جامعة أفريقيا وبين الإسلاميين ونظامهم الذي نشأت، أو ترعرعت، في أوساطهم. فالدعوة القائمة (بلها) خطأ بين. فليس ما ذاع عنها من قبض أموال حرام من المخلوع أو سياسات التعيين فيها مما يستوجب البل. وسعدت لما اكتفت لجنة تفكيك نظام الإنقاذ بقرار بمراجعة موازناتها منذ 1989. وربما صادمت هذه المراجعة حصانات للجامعة لوضعيتها الدبلوماسية وددت لو تنزلت الجامعة عندها للظرف العصيب الذي يقلب فيه بلد المنشأ، السودان، أوراقه كلها بعد ثلاثين عاماً اختلط الحابل فيها بالنابل. ونزولاً من الجامعة أيضاً عند الاعتراف بأنها ظلت خلواً من نهج في العلاقات العامة تزكي نفسها لأهل الرأي في غير الحكومة يشفع لها في يوم كهذا. فظلت هي وطلابها ومجلس أمنائها في عين غير الإسلاميين حالة إسلاموية ذاع عنها حتى ممارسة طلابها للدجل والطيلسان. أما عن غربتها في محيطها فحدث. فسارت نكتة محكية عن طالب منها تحدث بالعربية الفصحى مع كمساري بص فكبّر الكمساري من هول فصاحة لا يسمعها إلا في الوعظ والخطب الحماسية قائلا: الله أكبر ولله الحمد. أتيح لي دون زملائي ممن يوصفون بأهل التعليم الحديث أن أتصل بالجامعة منذ عقد خلا. فجئتها على مقاعد الدرس أطلب علماً في الشريعة لأُحسن تدريس مقرر (الإسلام والغرب) لطلابي بجامعة ميسوري بأمريكا. وأحسن الدكتور حسن مكي وفادتي. ودرست علم الحديث والفقه على يد أستاذين من الصومال وتونس. وعجبت لتنوع هيئة التدريس الذي هو من شروط إحسان التعليم الجامعي. وقدمت في منابر الجامعة أوراقاً في مؤتمرات انعقدت عن مرور 15 قرن على قدوم الإسلام لأفريقيا، وعن السيرة النبوية، ونظم الدراسات فوق الجامعية. ثم تعينت فيها استاذاً للتاريخ وقضيت في رحابها عام 2016. واضطرني ظرف عائلي أن أنهي تعاقدي معها. وتبقي لي موقفان من الذكريات فيها. أذكر يوم دعاني زملائي من الطلاب الإيرانيين في فصل علم الحديث إلى فطور رمضان. وفاض المجلس بولائهم لبلد نبيل يوفر لهم العلم ويغدق محسنوه عليهم فضل زادهم. أما الروتين الذي سيبقي معي منها فهو تنصتي خلال سيري في ردهاتها ل(عجمة) أفريقيا المحببة. كل لسان فيها طلق. وكلهم سيقولون عنا يوماً في بلادهم قولاً حسنا بذات العجمة الغراء. جامعة أفريقيا العالمية بنت برنامج قديم مشاهد من الإسلاميين لبناء جسور لأفريقيا. وعدت قبل سنوات أقلب صحيفتهم الميثاق الإسلامي (1965) وفوجئت بالمساحة المخصصة لأفريقيا، المسلمة خاصة، فيها بما لا تجده في صحف أخرى قد تزعم رابطة أوثق بأفريقيا وأحفى. لم يخترع الإسلاميون هذه الرابطة مع أفريقيا المسلمة بالطبع. فجذرها قديم في وفود طلاب من أفريقيا أباً عن جد لتلقي القرآن وعلومه في خلاوي معلومة. ورأيت هذا الرعيل الأفريقي من طلاب العلم الديني في خلاوي الشيخ الفادني بشمال الجزيرة في زيارة صحبة حبيبنا المرحوم الطيب محمد الطيب وضيافة البروف على شمو. وما قام المعهد العلمي بأم درمان في 1910 حتى صار محجة لجيل آخر من طلاب العلم الديني من أفريقيا. وعليه فجامعة أفريقيا، في تحولها من مركز إسلامي إلى جامعة مستديرة تامة، هي حلقة أعلى في تقليد أفريقي من طلب العلم في رحاب بلدنا. قد يذكر إسلاميون كثيرون قولي لهم: لو فعلتم عملاً صالحاً فرداً في السودان لكان جامعة أفريقيا العالمية. وهي سفارة لسودان في معنى قول المرحوم عبد الله رجب عن صحيفته الصراحة في الخمسينات: الصحافة سفارة. فكل خريج منها سفير للسودان حيث حل يلهج بذكره وبذكر شعبه فتقبل الجامعة 50 في المائة طلاباً أفارقة، و25 في المائة طالباً مسلماً من جهات العالم المختلفة. والبقية للسودان. ودرّست فيها صينين وفلينيين وبلاد تركب الأفيال. وبتحولها إلى جامعة وفرت التعليم الحديث لأولاد وبنات المسلمين في بلاد فاتهم فيها قطار التعليم لتمكن الحياة المرتحلة منهم وفاتهم غيرهم بالقطار المار. وسيكون هؤلاء الطلاب طاقة استراتيجية مسلمة ذكية في المنظمات الدولية والإقليمية والأفريقية. فلو حرصنا على توثيق ما بينهم كرسل مستقبل جمعاً بين العلم في تخصصهم والعلم الحسن بمحنة الإسلام في العالم ومحنة العالم نفسه لوضعوا رؤوسهم حيث التقوا في تلك المجامع ونفعوا زملاء بنعمة الله أخوانا. وربما كان مثل هذا الطموح لبناء هذه الطاقة الاستراتيجية من وراء قيام جامعة الصداقة مع أفريقيا (لوممبا) في موسكو في عهدها السوفياتي. اسأل الله أن نجتاز مفرق الدروب هذا حول جامعة أفريقيا بفطانة لتسلم هذه الجامعة التي كانت فينا أبداً بصورة أو أخرى. وسيستدعي الأمر شغلاً مراً بين التعليم العالي وإدارة جامعة أفريقيا يهون به كل شيء إلا طعن الجامعة في مقتل.

868 .2 K

منحة جامعة HKBU لدراسة الماجستير فى هونج كونج 2020

تقدم مدرسة HKBU لإدارة الأعمال منحة لدراسة الماجستير تغطى الرسوم الدراسية بالكامل للطلاب الدوليين الغير صينيين. منح الدراسات العليا الدولية هي جوائز إستحقاق و جدارة لمتابعة الدراسة. الهدف من هذه المنحة هو تقديم الدعم المالي الكامل للطلاب الدوليين. جامعة Hong Kong Baptist University (HKBU) هي مؤسسة التعليم العالي ممولة من القطاع العام. التخصصات لهذه الفرصة: ماجستير العلوم في إدارة الأعمال. ماجستير العلوم في المحاسبة التطبيقية والمالية. ماجستير العلوم في الاقتصاد التطبيقي. ماجستير العلوم في حوكمة الشركات والامتثال. ماجستير في المحاسبة الدول المستهدفة مصر, سوريا, العراق, فلسطين, الاردن, لبنان, تونس, الجزائر, المغرب, السودان, ليبيا, السعودية,الامارات, الكويت, قطر, البحرين, عمان, اليمن, الصومال, جيبوتي, موريتانيا, تركيا, ايران, قبرص, جزر القمر, دول اخرى ليست من دول ال شرق الاوسط وشمال افريقيا. لخطوة الأولى: المستندات المطلوبة: شهادات وبيانات الدرجات لجميع السجلات الأكاديمية. نسخ من نتيجة اختبار الكفاءة في اللغة الإنجليزية، إذا لزم الأمر من قبل البرنامج. خطابان توصية. نسخ من جواز السفر أو وثائق الهوية الأخرى. لمزيد من المعلومات و للتسجيل في المنحة من هنا : https://estudentguide.com/?p=10415

829 .2 K

Short Communication on Coronavirus 2019-nCoV

Short Communication on Coronavirus 2019-nCoV ?Why Real Time PCR gives false negative results for clinically confirmed corona patients Dr. Zahir Abbas Hilmi Department of Biocheistry and Molecular Biology, Faculty of Science, Gezira University* Medicine Program, Napata College* In November, 2002, an epidemic caused by a novel Betacoronavirus - SARS –nCoV emerged in Guangdong, southern China. SARS or severe acute respiratory syndrome, resulted in more than 8000 human infections and 774 deaths in 37 countries during 2002–03 In 2012, the Middle East respiratory syndrome (MERS) coronavirus (MERS-CoV), which was first detected in Saudi Arabia. MERS infected 2494 patients and kills 858 since September, 2012, including 38 deaths following a single introduction into South Korea In 2019 December, a new human-infecting betacoronavirus 2019-nCoV pandemic started in Wuhan in China. 2019-nCoV is sufficiently divergent from SARS-nCoV . The phylogenetic analysis suggests that bats might be the original host of this virus (Lu et. al., 2020). The bats were likely to be the reservoir for 2019-nCoV as it is most closely related to other betacoronaviruses of bat origin The new pandemic 2019- nCoVID started in December 2019 and up to 24 March 2020, within 67 days the number of infected patients in 196 countries was 410,213 , with 18,266 deaths, 107,182 recovered. The new pandemic now is out of control and the numbers of victims increased in a logarithmic way The coronavirus epidemic in the world started in Wuhan in China, caused by a new novel type of the Family Coronaviride the 2019 nCoV. According to Baltimore’s nucleic acid based taxonomy of viruses, members of Coronaviridae belonged to Group IV positive single stranded RNA viruses (+ssRNA). Coronavirus is the largest RNA viruses their genome ranged from 26000bp to 32000bp . The Coronaviridae genome is replicated by RNA dependant RNA polymerase , that induce more mutations 1 in every 1000 base pairs The complete genome sequences of the novel virus 2019-nCoV was 29,844 bp and was compared to genome other coronaviruses ( Lu et. al., 2020). The genome sequence of 2019-nCoV is most closely related (87.237 %) to two bats coronovirus that collected 2018 in Zhoushan, eastern China ; Bats- SL-nCoVZC45 (29732bp) and bat-SL-nCoVZXC21 . 2019-nCoV is less genetically similar to SARS- nCoV (79%); with a genome of 29751bp. 2019-nCoV The genome of MERS-nCoV (30,119 bp) was found to be the least related 50% to 2019- nCoV Phylogenetic analysis revealed that 2019-nCoV fell within the subgenus Sarbecovirus of the genus Betacoronavirus, with a relatively long branch length to its closest relatives bat-SL-nCoVZC45 and bat-SL-nCoVZXC21, Accordingly, the realtime PCR kits or other immunodiagnostic kits might not be able to detect the new virus with high percentages of false negatives due to sequence variation Diagnosis of 2019 nC0VID is very important to find out the first few cases and to isolate them, to prevent unchecked community spread. Confirmation of clinical diagnosis and follow up of viral load in patients before and after treatment, to ensure complete cure Many scientific reports showed that early Chinese may have had false negative rate as high as 50%. In USA many test kits released by the CDC on Feb.2020 were defective. Accordingly, the magnitude of this epidemic is still unknown. Also lower numbers of people were tested ?Why Real Time PCR gives false negative results for patients infected with CoVID 2019 Though real time PCR is the most advance and sensitive molecular diagnostic test it's operation requires highly skilled experts to avoid any mistakes * The site from which the sample taken not from the right place or no viruses in it * The samples not preserved well or transported in unsuitable preservatives * that may destroy the virus RNA genome or this preservatives may alter or inhibits PCR enzymes May be sterilization measures affect the sample, The RNA extraction Kits may not be suitable of efficient to obtain coronavirus RNA nucleic acid in good quality or with high concentration The test has two successive steps : the first one to do reverse transcriptase real time PCR to produce virus * cDNA, and the second to use the cDNA virus for amplification The two steps based on prior knowledge about the conserved sequence of the new coronavirus so as to design the PCR primers The rt PCR primers designed were not completely complementary to the new coronavirus nCoV ID 2019 , or not designed from the conserved sequences of RNA genome of the new coronavirus ، may be designed for old other corona virus that not suitable for the detection of the new coronavirus.(i.e. older RT PCR kits may be used ) The annealing or hybridization temperature for RT.PCR primers is not adjusted (calibrated) may be very * high that may give false negative results on clinically positive corona patients In this situation a new type specific primers from the nCoV ID 2019 conserved sequence , should be designed . Moreover, TagMan probe based real time PCR primers (type specific) should be used The Concentration of the virus nucleic acid in step one reverse transcriptase PCR * Or step 2 for cDNA may be very low and below 100 nanogram/microliter According to Lu et. al., 2020, the following primers should be used. The specific * primers and probe set (labelled with the reporter 6-carboxyfluorescein [FAM] and the quencher Black Hole Quencher 1 [BHQ1]) or orf1a were as follows Forward primer 5′-AGAAGATTGGTTAGATGATGATAGT-3′ Reverse primer 5′-TTCCATCTCTAATTGAGGTTGAACC-3′ Probe 5′-FAM-TCCTCACTGCCGTCTTGTTGACCA-BHQ1-3′ Internal control, the human GAPDH gene Forward primer 5′-TCAAGAAGGTGGTGAAGCAGG-3′ Reverse primer 5′-CAGCGTCAAAGGTGGAGGAGT-3′ Probe 5′-VIC-CCTCAAGGGCATCCTGGGCTACACT-BHQ1-3′ Dr. Zahir Abbas Hilmi PhD Molecular Virology (Division Taxonomy of Human Papillomavirus, Department of Tumor Virology , the DKFZ German Cancer Research Center & Gezira University) Reference Lu, R. et. al.,( 2020) . Genomic characterization and epidemiology of 2019 novel coronavirus: implications for virus origins and receptor binding. The Lancet, (395) DO - 10.1016/S0140-6736(20)30251-8

751 .2 K