Advertising

كل التدوينات

هل سنخلق نهضة

هل سنخلق نهضة

سلسلة النهضة والمنظورات المحلية متوكل دقاش_باحث ومدون لمعظم الامم قصص ولحظات مفصلية فارقة صنعت فيه تاريخها ومجدها، ففيما عرف بعصر النهضة، خاض الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين نضالات فكرية وسياسية جبارة، من خلال نقد وهدم الوضعيات القديمة او ما تسمى بالعصور القروسطية. أدت تلك النضالات الي القطيعة مع الماضي، وضخ أسس جديدة قامت عليها النهضة والتقدم الذي مازال مستمر. في جغرافيات متناحرة مثل تلك، كان الدرس المهم هو مدى نبل الملحمة الجبارة والصراع الفكري العظيم، لقلة من المفكرين والفلاسفة الذين أعادو موضعة ذات المجتمعات، وذلك من أجل تحقيق فضاءاً جديداً وزمناً جديداً للعقلانية والعلم والمعرفة لتأخذ مكانها وفرصها. وبذاك المعنى الذي يحيل الي أشكال الإجابات الموضوعية لأسئلة المجتمعات، تظل الاشتراطات المنطقية للعلم ورهانات الفكر والمعرفة على علاقة بضرب الأفراد في عمق الزمني- اليومي المعيش- الراهن المقلق- التحديات الماثلة. بإعتبار ان مراجعة حقيقية للبنى والانساق المهترئة القائمة، قمين بخلق تحولات إيجابية وتغيير نحو الأفضل. وليس مهما كمية الإرهاق والتجاذبات التي ستنتج عن مصادمة أولئك المستفيدين من الوضعية القائمة - بقدر ما هو مهم ذاك الفعل الذي يصنع الوعي بالتحديات ويعيد انتاج الطاقات وتوظيفها، وينسف كل ضروب الانغلاق على الذات الفاشلة والراهن المزري، كفعل مؤدي إلى سبل النهضة والنجاحات. لعلنا نذكر انه ومن وسط ركام التخلف والجهل وقساوة الظروف، خرجت البرازيل. تلك الدولة القابعة في أدغال غابات الأمازون، والتى كان سكانها يعيشون حياة بدائية يطبعها الفقر والتخلف، خرجت لتقدم تجربة فريدة وضربا من ضروب الكفاح والنجاحات التي تخلقها الشعوب. فبعد سنوات من تنفيذ لولا داسيلفا (الرئيس يومها) خطته الجديدة المناهضة لسياسات البنك الدولي، كانت كل القرائن والدلائل تشير إلى تدهور جديد في حالة الاقتصاد، ولقد كان الشعب محبطا لدرجة كبيرة ويشعر بالإنكسار والهزيمة بسبب ما آلت إليه الظروف في البلد، لكن تجارب الأمم العظيمة وفكرة البناء والنهوض قد تتعثر ، وتصطدم بالواقع وقد تهتز لكنها أبدا لا تموت. فقاتل لولا وقلة من البرازيليين الي اخر رمق الي ان خرجت الدولة من معمعة الديون المتراكمة والاقتصاد المترنح. فمع سياسات توزيع عادلة، وتوعية بالمواطنة واحقاق الحقوق، تخلق وعي كبير بالوطنية في البرازيل على ايام لولا دا سيلفا، مما جعل البرازيل تلامس حلم بناء الامة بعد عصور من الصراعات الاجتماعية. وفي سنة 2010م تربعت البرازيل في المركز السابع عالميا من حيث قوة الإقتصاد محققة نسبة نمو 7.5% ، واصبحت من ضمن أقوى الاقتصادات في العالم. تعيش الشعوب السودانية ما اشبه بكابوس الآن، تتدحرج آمالها إلى ما وراء غير متناهي، تهتز إرادتها بقوة، وتصيبها حالة من اللايقين. تبدو الطرقات المؤدية إلى الانفراجات بعيدة، مع رهق مبرر ونفس متقطع بسبب اللهث المتواصل خلف حياة تبدو كسراب، فمع وضع اقتصادي كارثي، ونسيج إجتماعي مهترئ، وعقلية سياسية اصطراعية، وضبابية في الحلول، تضيع الشعوب في متاهات مظلمة، وتبدو الحلول كلها مجرد محاولات عبثية امام شيطنة الآخر وسكاكينة النقدية الطويلة. في رده على أولئك المناوئين لصندوق (القومة للسودان) قال النور حمد: ان "القوى التي تشيطن طموحات الثوار، وآمالهم، قوى استوردت جل أفكارها، ووجدانها، من محيطنا الإقليمي، ولا علاقة لما هي عليه من قيم بمواريث السودانيين. هؤلاء قومٌ أزاغ المال عقولهم، وأفرغ قلوبهم من كل شيء، سواه. فبيئتنا هذه بيئة تصوف؛ ليس منذ دخول الإسلام، وحسب، وإنما منذ أن نشأت ديانات التوحيد في أرض كوش، منذ آلاف السنين. هذه بيئة النفير، وبيئة الفزعة، وبيئة المسيد، وبيئة اقتسام النبقة. لا تحتاج هذه البيئة لمُتَفيْقِهٍ، ضحلِ العقلِ، جديبٍ الوجدانِ، يعلمها قيم الإسلام. فلنجعل نداء "القومة للسودان"، وقودًا جديدًا لوحدتنا، ولقوتنا التي نكسر بها من يريدون كسر إرادتنا". بالنسبة لي (وحدي) لم يهرب الدكتور من بوابة الزمن المستعاد ليبرر لراهن ملئ بالتحديات الج��ام. بقدر ما انه راهن بطريقة خطرة على ما يمكن تعريفه بالطابع او الرمزي او العادة او الروح عند شعب ما. وهو ما يمكن تتبعه في مظان عديدة، خاصة عند التعرض للتجربة النهضوية لليابان مثلا، وهي التي خرجت منهكة ومنهارة بعد الحرب العالمية الثانية، ففي كتاب (الكوجيكي) او الإنجيل الياباني، نجد ان بنية وعي المجتمع الياباني تتشكل وتقف على الأسطورة والعادات والتقاليد، والرمزي. ليس بمنطق تضخيم الوعي الأسطوري والعقل الماورائي طبعا، ولكن بحسابات فاعلية الرمزي والثقافي والتاريخي عند مجتمع يفخر بهويته. ففي اللحظة التي كانت فيه الروح الشعبية في الحضيض، استلهمت الحكومة اليابانية طرقا جديدة لإستنهاض طاقات اليابانيين بالحديث عن ما سميت (بالروح اليابانية)، والتي تفسر في الكوجيكي مكانة اليابانيين المتفردة بين الشعوب، لتنطلق الأمة اليابانية بعدها نحو التقدم والازدهار، بالاستناد على التكنولوجيات الأوروبية، ولكن (بروح اليابان). فتحدثت ونهضت وانقذت نفسها من الفقر والتخلف والتبعية، دون ان تفقد روحها، بل وعززت تلك الروح ودعمتها بالانفتاح على الآخر. ولكن السؤال، هل ثمة روح سودانية واحدة، إذا ما تعاملنا مع الارواحي، ووضعناه كمقابل يتخلق عنه الدافع لنهضة الشعوب؟ وكيف تتخلق هاته الروح المفتقدة، بإعتبارها مدخلا لشحذ الهمم والطاقات واستدعاءاً للذات الوطنية؟ وفي جغرافية انبثقت فيها قومية ترابية منذ امد طويل (والتي تتحدث عن تراب قومي واحد ومحدد) وعلى تخيل الجماعة الجغرافية كجماعة موحدة، يتم خلقها بالتعبير عن الزمن في شكل مكان فيزيقي او بإضفاء طابع مكاني على الزمن، مما يخلق احساسا بالحضور والتعاصر. هل تخلقت قومية سودانية؟ وما الأسباب اذا لم تتخلق قومية سودانية فعلا او روح وطنية واحدة؟ قد تمثل اجاباتنا المنطقية مداخلا، ننفذ منها الي باحة التقدم والنهوض. سلسلة النهضة والمنظورات المحلية
943 .1 K
 السودان ما بعد لقاء نتنياهو و البرهان

السودان ما بعد لقاء نتنياهو و البرهان

المركز السوداني للدراسات الإستراتيجية والإقتصادية والإجتماعية (سراج) د. سامي سمير ملخص في زيارة أحيطت بالسرية الكاملة زار رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان أوغندا يوم الإثنين الماضي 3 فبراير 2020 م والتقى برئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو المنتهية ولايته لبحث مسألة التطبيع مع اسرائيل . و تسبب إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية لهذا اللقاء بحالة من الغضب الرسمي والشعبي في السودان فقد نفت وزيرة الخارجية السودانية علمها باللقاء وأعلنت الحكومة الإنتقالية على لسان متحدثها الرسمي وزير الإعلام أنها لم تكن تعلم بخبر اللقاء و أنها عرفت باللقاء من وسائل الإعلام . تحاول هذه الدراسة التنقيب عن ما جمع بين عبدالفتاح برهان و نتنياهو و تأثير ذلك على عملية الإنتقال السياسي في السودان. في يوم الإثنين الماضي بعد منتصف الظهر فوجئ متابعوا تويتر السودانيين بتغريدة من على حساب الإذاعة الإسرائيلية تفيد أن لقاءاً قد تم ما بين رئيس المجلس السيادي السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان ، وقبل أي نفي من أي مؤسسة أو هيئة إعلامية سودانية جاء تأكيد اللقاء من الصهاينة من جديد بتغريدة أخرى بالعبري الفصيح لرئيس وزراء الكيان ( المنتهية ولايته ) بنيامين نتنياهو وهو الأمر الذي أعقبه جدل عنيف قانوني و دستوري عبر وسائل الإعلام ، ومن خلال هذا الجدل اعترفت الحكومة أن الجنرال عبدالفتاح البرهان أقدم على هذه الخطوة الخطيرة دون علمها أو التنسيق لهذا الأمر مع قيادات قوى إعلان الحرية و التغيير و أن البرهان قام بالتنسيق مع دائرة صغيرة من المدنيين. تسبب لقاء البرهان - نتنياهو في انقلاب المشهد السوداني رأسا على عقب و حدوث تغيير في السياسة الداخلية و الخارجية للبلاد أما داخليا فلم يعد المشهد السياسي السوداني يشهد ذلك التوازن السياسي الذي كان في الشهور الماضية فقد اختل التوازن لصالح المؤسسة العسكرية بقيادة البرهان، فبينما كانت حكومة حمدوك تتلقى وابلا من الهجوم الإعلامي و المظاهرات المنددة بتدهور الأوضاع الإقتصادية تلقى البرهان مكالمة هاتفية من وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يدعوه فيها لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية بصفته رئيسا لمجلس السيادة وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة بثقلها أصبحت تقف خلف البرهان والمجلس العسكري بدرجة أكبر وترى فيه عامل استقرار وحفاظ على المصالح الأمريكية وهو ما يعني التخلي والإنصراف عن مسارهم المعلن في دعم التحول الديمقراطي وهذا يأتي في وقت ثورة ترامب على أجندة الحزب الديمقراطي الذي تلاعب بأعصاب ترامب طوال أشهر بما أطلق عليه جلسات محاكمة ترامب في الكونغرس و محاولة عزله . أما خارجيا فإنه يشير بوضوح إلى انتصار خطاب الإنحياز للمحور السعودي الإماراتي الذي يتبناه المجلس العسكري أو ما يطلق عليه المكون العسكري للحكومة الإنتقالية على خطاب الحياد و البعد عن المحاور الذي كان يتبناه المكون المدني للحكومة الإنتقالية ومن ضمن صور الإنحياز هذا اللقاء الخطير الذي جاء في ظروف ( صفقة القرن ) مشروع ترامب لحل القضية الفلسطينية و تأييد بعض دول الخليج لهذا المشروع عبر استضافة ورشته الإقتصادية في البحرين و تسابق قطر و الإمارات على استضافة الفرق الرياضية الإسرائيلية و توقيع مصر و الأردن على عقود شراء الغاز الإسرائيلي و زيارة نتنياهو الشهيرة إلى سلطنة عمان قبل عامين . فلقاء البرهان - نتنياهو هو جزء من مشروع تطبيع النظام الرسمي العربي مع اسرائيل و ربما المفاجأة هي أن هذا التطبيع بين اسرائيل و الدول العربية لم يرقى لمستوى لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي مع الملوك و الرؤساء باستثناء مصر و الأردن . و بغض النظر عن الأسباب التي دفعت الملوك و السلاطين و الأمراء و الرؤوساء العرب للتطبيع مع إسرائيل فإنها ليست موضوع هذه الدراسة بل الذي يهمنا هو معرفة الأسباب الحقيقية خلف لقاء البرهان رئيس المجلس السيادي السوداني مع نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي في عنتبي الأوغندية يقف خلف هذا اللقاء أهداف معلنة للبرهان و هي ما أطلق عليه الحفاظ على الأمن الوطني السوداني و طلب مساعدة إسرائيل لرفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية على السودان و أهداف سرية لم يعلن عنها كذلك من جانب الطرف الإسرائيلي هناك أهداف معلنة و هي كسب تأييد دولة عربية جديدة للمحور الإسرائيلي و سبب اقتصادي و هو فتح الأجواء السودانية للطيران الإسرائيلي المتجه لأمريكا الجنوبية ما سيساهم في تنشيط السياحة لإسرائيل بتخفيض التكلفة الإقتصادية للذهاب إليها . أهداف نتنياهو من لقاء البرهان فك العزلة عن إسرائيل على الرغم من مرور سبعين سنة تقريباً على تأسيس الكيان الصهيوني ، و حصوله على اعتراف الأمم المتحدة ما زالت مشروعية هذا الكيان غير مكتملة على المستوى الإقليمي ، إذ لا تعترف به من الدول المحيطة به سوى مصر و الأردن و اعتراف جزئي قبل قطر و الإمارات و بالتالي اسرائيل لازالت جزيرة معزولة في محيط معادي لها رغم انفاقها ملايين الدولارات على الدعاية و رغم مرور عقود على قرار الملك حسين ملك الأردن الراحل و الرئيس المصري الراحل أنور السادات فإن مستوى عداء الشعبين المصري و الأردني لإسرائيل في حالة ازدياد . و لذلك فإن اسرائيل ترى أن تطبيعها مع أكبر عدد من الدول العربية قد يساعد في فك عزلتها الإقليمية و تنشيط تجارتها مع دول ( الخليج ) الغنية بالنفط . زيادة الضغط على الفلسطينيين التطبيع مع السودان له مذاق خاص لإسرائيل فالسودان يعني للفلسطينيين قمة الخرطوم 1967م صاحبة اللاءات الثلاث و التي يستحضرها الفلسطينيون دوما ليتذكروا أن خلفهم أمة عربية واحدة تدعم حقهم . وإسرائيل عبر تطبيعها مع السودان توصل رسالة قوية للفلسطينيين أن عليهم أن لا يتعنتوا في التفاوض معها لأن العالم العربي تخلى عنهم والدليل أن الخرطوم صاحبة اللاءات الثلاث أصبحت مهتمة بالتطبيع مع إسرائيل . تنشيط السياحة لدولة إسرائيل يعتمد اقتصاد الكيان الصهيوني حتى الآن على اقتصاد الخدمات فالكيان المحتل ليس لديه ما يصدره للعالم من سلع مهمة باستثناء الأسلحة . و لذلك فإن اسرائيل الحريصة على قطاعها السياحي الذي تعتمد عليه كمصدر رئيس لعملة الصعبة ( حتى الآن ) حريص على الإستفادة من الفرص لمزيد من الإستثمار في هذا القطاع . و من القطاعات المهمة التي ترفد اقتصاد الكيان الصهيوني بالأموال هي قطاع السياحة الدينية فكثير من السياح الذين يقصدون اسرائيل يقصدونها بغرض زيارة الأماكن الدينية المقدسة (خصوصا المسيحية) و تعتبر مناطق أمريكا اللاتينية من أكثر الأماكن تمسكا بالكاثوليكية في العالم و قد تدفع اغراءات مالية سواح هذه القارة للتوجه إلى اسرائيل بدلا عن أي مقصد آخر ولذلك فقد كان طلب اسرائيل المتكرر السماح بالطيران الذاهب لإسرائيل بالعبور باستخدام الأجواء السودانية و هو الأمر الذي من شأنه تقليل تكلفة الرحلة الجوية في بعض دول أمريكا الجنوبية إلى سعر ربما يتجاوز النصف مما سوف يساهم في انعاش الإقتصاد الإسرائيلي. التخلص من اللاجئين الأفارقة في اسرائيل تعتبر ظاهرة هجرة الأفارقة غير الشرعية لإسرائيل من القضايا التي تؤرق ساسة الكيان الصهيوني و قد وعد نتنياهو و هو يميني متشدد في أكثر من مرة بأنه على استعداد لإعادة اللاجئين الأفارقة لبلدانهم التي جاءوا منها. و قد تمت إعادة بعض اللاجئين من دولة جنوب الس��دان إلى بلادهم بواسطة الأمم المتحدة و كان اللاجئون السودانيون يمثلون أزمة لحكومة نتنياهو بسبب أن أغلبهم قادم من إقليم دارفور و قد كانوا لا يستطيعون إعادتهم لنظام عمر البشير بسبب تاريخه الحقوقي السيئ و أما الآن و بعد تطبيع العلاقة ما بين الخرطوم و تل أبيب سوف تقوم اسرائيل بإرسال جميع اللاجئين السودانيين إلى الخرطوم و دون أن تشعر بأي حرج دولي و ربما تعرض على الحكومة السودانية أخذ بقية اللاجئين الأفارقة للخرطوم مقابل ميزات اقتصادية كما حاولت من قبل عمل هذا الأمر مع رواندا قبل سنوات. مواجهة النفوذ الإيراني و التركي تعتبر اسرائيل المشروع الإيراني الذي تسميه بعض الأدبيات الأمريكية بمشروع الهلال الشيعي وما تسميه ايران (مشروع المقاومة والممانعة) عدوها الإستراتيجي الأول و الخطر الماثل أمام عينيها وهو يسيطر على حدود إسرائيل من ثلاث جهات الجهة السورية من حدود هضبة الجولان السورية و الجهة اللبنانية من جنوب نهر الليطاني(الناقورة) والجهة الفلسطينية عبر حركات النضال الفلسطيني المدعومة إيرانيا . من أجل ذلك تعمل اسرائيل على التحالف مع كل الدول التي تعتبر المشروع الإيراني خطرا عليها وتعتقد اسرائيل أن هذا المشروع الخطير هو فرصتها للإندماج مع دول المنطقة ( الخليجية ) في مواجهة عدو الجميع ولذلك تعتبر إسرائيل أن التقارب مع الخرطوم التي يحكمها الجنرال عبدالفتاح برهان لمواجهة ايران هو أمر يجب أن يحدث بالضرورة ما دامت الخرطوم تعتبر نفسها حليفة للسعودية والإمارات و ما دامت الخرطوم منخرطة في الحرب الأهلية اليمنية لمواجهة ذراع إيران جماعة أنصار الله ( الحوثية ) . أما في المدى المتوسط والبعيد فإن اسرائيل ترى المشروع التركي عدوا لها رغم أن حكومة أنقرة تعترف بإسرائيل و تجري معها أكبر عمليات تبادل تجاري ما بين الدولة العبرية و دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي فإن اسرائيل ترى في تمدد أردوغان في سوريا و ليبيا و الصومال خطرا على المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية . و يظهر ذلك في تحالف إسرائيل مع دول شرق المتوسط المعادية لأنقرة ( مصر اليونان قبرص ) ضمن ما أطلق عليه (منتدى شرق المتوسط ) بالإضافة إلى ذلك الدعم الدبلوماسي والإعلامي الذي تقدمه اللوبيات الإسرائيلية لحزب العمال الكردستاني و حفتر و بدرجة أقل بشار الأسد فالدولة العبرية لا تريد أن ترى أمامها لا المشروع الإيراني ولا المشروع التركي . و ترى اسرائيل في دول الخليج حليفا محتملا لها من أجل مواجهة المشروع الإيراني و التركي و ترى في السودان في حقبة ما بعد البشير أيضا حليفا محتملا لها إذا ما رغب نظام عبدالفتاح البرهان تصفية الوجود التركي في السودان و التخلص منه كإرث متعلق بنظام البشير . بيع السلاح للسودان تمثل السوق الإفريقية سوقا واعدة لتجار السلاح الصهاينة. فمشاكل القارة السمراء لا تنتهي، ونزاعاتها العرقية والاثنية والدينية لا تنطفئ، ولذلك فبيع السلاح الاسرائيلي للأفارقة هو تجارة مربحة للإسرائيلين الذين يستثمرون في شركات السلاح مليارات الدولارات سنويا و كمثال على ذلك بيع اسرائيل لمنظومة اسبايدر ام أر لاثيوبيا لتقوم بتركيبها لحماية سد النهضة من أي قصف مصري محتمل للسد كذلك بيع اسرائيل أسلحة مختلفة للجيش النيجيري لتصدي لبوكو حرام. و لذلك فإن شركات السلاح الإسرائيلية يدعمون التقارب ما بين اسرائيل و الدول الإفريقية و يعملون بجد على تطوير العلاقات ما بين إسرائيل و الدول الإفريقية باعتبارها سوقا مفترضة للأسلحة الإسرائيلية . و تعتقد اسرائيل أنها يمكن إن تحسنت العلاقات ما بين الخرطوم و تل أبيب أن يكون السودان زبونا مفترضا للسلاح الإسرائيلي أو أن تساعد إسرائيل حتى على تسويق سلاحها للدول الإفريقية المجاورة . تأمين البحر الأحمر يطل الكيان الصهيوني على البحر الأحمر عبر ميناء ايلات ( أم الرشراش ) ولذلك فإن تأمين هذا الممر المائي من أخطار القراصنة و تدخلات بعض ( الدول الإقليمية ) هو مصلحة تهم الأمن القومي الإسرائيلي بشكل واضح و ترفض اسرائيل قيام أي دولة ( إقليمية ) بإنشاء نقاط عسكرية لها على شاطئ البحر الأحمر و قد شاركت إسرائيل مؤخرا في عدة مؤتمرات أمنية خاصة مع الدول العربية لبحث تأمين الممرات المائية أبرزها مؤتمر وارسو 2018 و مؤتمر المنامة 2019. الإستفادة من موارد السودان و ثرواته يعتبر السودان أحد أغنى دول العالم بالأراضي الصالحة للزراعة بفضل الأنهار العذبة التي تجري فيه بشكل دائم أو موسمي . يتمتع السودان بهذا الغنى و الوفرة من الثروة المائية وهو ما يقابله شح في المياه عند الكيان الصهيوني الذي يضطر إلى تحلية مياه البحر للمستهلكين الصهاينة . ومياه السودان تحت عين اسرائيل التي تريد الإستفادة منها و زراعة عدد من المحاصيل التي يمكن أن تنتج مواد خام لصالح المصانع الصهيونية. بالإضافة إلى ثرواتالسودان خصوصا المعادن النفيسة ذات القيمة الثابتة كالذهب و الفضة و الألماس التي تذخر بها الأراضي السودانية . هذا من ناحية اسرائيل أما السودان فهي منذ 11 أبريل 2019 يوم إعلان وزير الدفاع السابق عوض بن عوف اقتلاع النظام السابق و التحفظ على رئيسه في مكان آمن و الدولة السودانية لم تعد دولة مركزية القرار بحيث يتخذ من القصر الجمهوري و يتم التنفيذ . فقد استولت اللجنة الأمنية للنظام السابق على الحكم و التي تضم الجيش و الشرطة و الأمن و الدعم السريع على الحكم سويا و بقرار مشترك و لأول مرة في تاريخ السودان المعاصر يضم المجلس العسكري الإنتقالي شخصيات غير منتمية للمؤسسة العسكرية الرسمية كضباط الأمن و الشرطة ناهيك عن الدعم السريع الذي كان محل تساؤل حتى وقت قريب هل هو مؤسسة تابعة للجيش أم لجهاز الأمن قبل أن يصدر قرار بإعتماده كقوات خاصة تتبع للقائد العام للجيش و يصدر هذا القرار في شكل قانون أجازه البرلمان المنحل . هذا من ناحية السيطرة الأمنية و العسكرية أما من الناحية التنفيذية فإن الوثيقة الدستورية التي جاءت نتيجة لتفاوض المجلس العسكري مع قوى الحرية و التغيير قد حرمت الجيش من إدارة المرحلة الإنتقالية وكبلت صلاحيته ضمن ما أطلق عليه مجلس السيادة مقابل الحفاظ على الإمتيازات المالية و الإقتصادية للجيش واستمرار إرسال القوات السودانية إلى اليمن و المناطق الساخنة بالتفاهم مع المحور السعودي الإماراتي . و تشهد الأيام الأخيرة أدلة متزايدة على أن الإتفاق السياسي ما بين المجلس العسكري و قوى الحرية و التغيير في أيامه الأخيرة فالمجلس لا يريد سماع تقرير لجنة التحقيق المتعلقة بفض اعتصام القيادة العامة و ليس راضيا عن سير المفاوضات المتعلقة بالسلام وقد تجاوز المجلس نوعا ما صدمة فض الإعتصام واستطاع خلال الأشهر الماضية ترميم صورته وتقديم نفسه كحريص على الدولة وبعيد عن الإستقطابات الدينية والعرقية والأيدولوجية بينما غرقت قوى الحرية والتغيير و أغرقت المجتمع في الإستقطابات بمحاولتها انتهاز اللحظة التاريخية لتحقيق مكاسب علمانوية بعيدة عن الهموم الشعبية الحقيقية كدوري كرة القدم للسيدات و اصدار قانون تجريم التكفير و منع ختان الإناث و القضاء على البنية التشريعية المساعدة لقانون النظام العام ( الذي ألغي من قبل ) و إلغاء المادة المتعلقة بالدعارة في القانون الجنائي السوداني و تقنين وضع المثليين . و يتزامن انشغال قوى الحرية و التغيير بهذه القضايا مع ارتفاع التضخم و انكماش الإقتصاد السوداني و انخفاض قيمة العملة السودانية و هروب الإستثمارات ورؤوس الأموال من البلاد وأزمات معيشية حادة كانقطاع الكهرباء المستمر وعدم توفر الوقود و الخبز . أهداف البرهان من لقاء نتنياهو تدعيم موقفه كحاكم مستقبلي للبلاد رغم أنه تظاهر بالزهد في السلطة في ابريل الماضي و وافق في الاتفاق السياسي على أن كل من يكون جزء من النظام الإنتقالي فإنه لن يترشح للإنتخابات القادمة فإن الفريق البرهان يعمل بوضوح ليصبح رئيسا للبلاد حتى قبل 2022م التاريخ المفترض لنهاية الفترة الإنتقالية . فمن مقابلة زعماء العواصم الإقليمية الداعمة للرؤساء العسكريين إلى السفر إلى موسكو و مقابلة الرئيس الروسي بوتين في القمة الروسية الإفريقية إلى مخاطبة القمة العربية والإسلامية فإن الفريق البرهان يقدم نفسه كزعيم مفترض للسودان لأن حضوره إلى كل هذه المناسبات لم يكن ضروريا فقد كان رئيس الوزراء أو أي ممثل للمجلس العسكري قادرا على تمثيل السودان أفضل تمثيل في تلك المناسبات الدولية و لكن الفريق البرهان استغل تلك المنصات الدولية لتقديم نفسه للعالم ، وترك المنصات الإقليمية الأقل أهمية إلى رئيس الوزراء عبدالله حمدوك كمنصة الإتحاد الإفريقي و منصة الإيقاد حيث أن الإعلام الدولي أقل اهتماما بمتابعة ما يحدث في تلك القمم . أما داخليا فقد أسهم لقاء البرهان بنتنياهو في ارتفاع أسهمه لدى الرأي العام السوداني المتعلق بأي أمل يرفع الحظر عن البلاد بعد أن أصابته حكومة عبدالله حمدوك بالإحباط بسبب اهمالها الكامل للرأي العام السوداني و سعيها المستميت لإرضاء المجتمع الدولي وشواغل الأقليات العلمانية حتى لو أدى ذلك لإهانة الكرامة الوطنية السودانية أو توريط السودان في دفع تعويضات عن عمل لا علاقة مباشرة للسودان به . وفي الحقيقة فإن البرهان لم يكن ليقدم على هذا لولا أنه أصبح يملك مشروعا سياسيا ينوي تطبيقه كرئيس للبلاد فالإقدام على مصافحة مجرم كنتنياهو هو أمر لن ينساه ضمير الشعب السوداني حتى لو استطاع رفع العقوبات الإقتصادية و البرهان يدرك أنه أقدم على مغامرة لم يكن ليقدم عليها لو لم تخدمه هو بشكل شخصي . والخلاصة أن البرهان يطرح نفسه كسيسي جديد للسودان يستطيع فرض هيبة الدولة و القانون من جديد . الضغط على الحركات المسلحة من الأمور التي دفعت الفريق البرهان إلى اللقاء مع نتنياهو قضية الحركات المسلحة حيث تعتبر هذه الحركات مسألة مؤرقة للدولة السودانية باعتبار الحرب في مناطق الهامش السوداني إرثا متبقيا من نظام البشير يجب التخلص منها و بشكل فوري و العمل على تأسيس نظام وطني سوداني قوي . و إسرائيل بما تملكه من نفوذ و استثمار في الحركات المسلحة التي دعمتها منذ الخمسينات من القرن الماضي قادرة على جلب هذه الحركات للسلام و كسر تعنتها . ما نريد قوله أن التطبيع مع اسرائيل في اعتقاد البرهان عامل مساعد في إيقاف الحرب عبر تجفيف التمويل لهذه الحركات و إيقاف الدعم الإعلامي لها ما سيدفعها للقبول بالتفاوض بدلا من التعنت و رفع سقف المطالب ما سيمهد لحل أزمة الحرب في السودان التي تسبب فيها نظام البشير بسوء إدارته للبلاد. الوصول إلى الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر العلاقة مع إسرائيل البوابة الرئيسية لعلاقة جيدة مع البيت الأبيض هذه حكمة يعرفها كل حكام الشرق الأوسط و لذلك فإن البرهان المهموم برفع العقوبات الإقتصادية الأمريكية الكاملة عن السودان و شطب السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب كان مستعدا للقاء نتنياهو بدواعي الأمن القومي و المصالح السودانية العليا . و البرهان بإقدامه على محالفة إسرائيل بهذا الشكل يعلن بوضوح أيضا أنه حليف لأمريكا و الغرب و أنه مستعد للإنقلاب بشكل كامل على ارث البشير من العلاقات مع دول آسيا و روسيا وتركيا و إيران. وهو جاهز للتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية و مشاريعها الأمنية في المنطقة لمواجهة إيران و تركيا ضمن ما يطلق عليه بتأسيس الناتو العربي الذي يتوقع تأسيسه في وقت ما من هذا العام لمواجهة النفوذ الإيراني و التركي و التدخل لا في اليمن فقط بل في دول عربية أخرى قد تكون منها (العراق و لبنان و سوريا و ليبيا) إعادة تسليح الجيش السوداني بالمنظومات الغربية إقدام البرهان على الإستقواء بالجيش على النحو الذي حدث ما بعد لقائه بنتنياهو يجب أن يفهم في إطار مشروع متكامل لإعادة تسليح الجيش السوداني بسلاح غربي فهو يسعى بوضوح لإحداث تغيير ( ساداتي ) و انفتاح في الدولة السودانية بعد وصوله لقناعة أن 99 % من أوراق اللعب في يد الولايات المتحدة الأمريكية . و بالتالي نقل ملف السودان من يد وزارة الخارجية الأمريكية ليد البنتاغون و هذا الأمر لن يتم إلا عبر ربط مباشر ما بين الجيش السوداني و الجيش الأمريكي و هنا يبدو أن البرهان يرغب في أن تذهب قاعدة أفريكوم الأمريكية لتكون في السودان بعد أن تم نقلها من جيبوتي مؤخرا . تطبيع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية يعتقد البرهان أن نتنياهو وعبر علاقاته الواسعة مع أبناء جنسه اليهود المسيطرين على الإقتصاد العالمي يستطيع دعم خطوات انضمام السودان للمجتمع المالي الدولي و بالتالي حصول السودان على منح و قروض و إعانات و إعفاءات من المؤسسات الدولية و التي ترفض التعامل مع السودان رغم أن العقوبات الإقتصادية الأمريكية رفعت على الورق. الإعلام الدولي والمنظمات الدولية من أهداف البرهان من لقاء نتنياهو هو تحييد الإعلام الدولي من الحديث السلبي عنه و كذلك تحييد المنظمات الدولية الحقوقية التي بدأت في الفترة الماضية بنشر تحقيقات تحرض على المجلس العسكري و على البرهان و على نائبه محمد حمدان دقلو ( حميدتي ) فأحد أهداف البرهان الإستراتيجية هي كسب صمت منظمات المجتمع الدولي خصوصا تلك المدعومة من اللوبيات اليهودية وكذلك وقف أي مواد دعائية معادية له على الإعلام الدولي.
870 .1 K
ماذا بعد مضي عام

ماذا بعد مضي عام

متوكل دقاش _ باحث ومدون تعتبر الثورة من الكلمات التي تتصف بالغموض. الثورة الفرنسية الكبرى، الثورة الأمريكية، الثورة الصناعية، ثورة هايتي، ثورة اجتماعية، الثورة الزنجية الأمريكية، ثورة في تفكيرنا، وبلا شك ثورة ديسمبر الملحمية. تكاد القائمة تكون غير محدودة، وفي الواقع، كادت الثورة في نهاية طيف معانيها في الاستعمال الشائع، ان تكون مرادفا تأكيديا لكلمة "تغيير". وبالطبع ليس "التغيير االمجرد" غض النظر عن سلبياته او إيجابياته، ففي معظم الأحيان وخاصة في ميدان السياسة تم أستخدام مصطلح "ثورة" للتدليل اكثر على معاني اكثر ارتباطا بالتغييرات الإيجابية والملموسة والتحولات الكبرى، في معظم البنى، الاقتصاد، الإجتماع... الخ. ويعتقد ان هاته التغييرات الإيجابية، لم تكن لتحدث لولا الاستبدال العنيف والمفاجئ لمجموعة ما، مسؤولة عن إدارة كيان سياسي إقليمي، بمجموعة أخرى لم تكن حتى ذلك الحين تدير تلك الحكومة. ففي ظل وجود خلل وتعسر وظيفي، يتعلق بممارسة السلطة والإدارة، ينزع الأفراد، والشعوب والمجتمعات الي الحراك الفردي او المنظم لنزع التفويض واسقاط الشرعية عن الحكومات والسلطات. عبر حراك مجتمعي مطلبي، يرتفع في شكل موجة عاتية، ويأخذ طابع الحدة في التعامل مع قرارات الدولة وسلطاتها ومؤسساتها بشكل مصادم. وعلى الدوام تجسدت الثورات في; انتفاض الجماعات او تحركها عكس صيغ قرارات الدولة وعمل مؤسساتها، التي تصبح بذلك، لا تعني الجماعات الثائرة، او تصبح مهترئة وغير مقبولة ومقصد للتغيير. وكشكل من اشكال ابراز عنصر الرفض الشعبي، ووسيلة واقعية لتغيير طريقة عمل الحكومات. تنزع الثورات لأن تكون مقصدا لاعادة صياغة ديناميكية المؤسسات، وتستهدف تغييرا شاملا في بنية الوعي المجتمعي، فيما يتعلق بمفاهيم مثل; السلطة والسياسة والحكومة. وكذلك هي اداة، شعبية، لتكريس قيم العدالة والمساواة، واقرار الحريات وإعادة بناء المنظومة القيمية للمجتمع بصورة اكثر مقبولية للجميع. حريا اذن القول، أن الثورة تتولد عن جدلية "الانحرافات". انحرافات تطبع عمل مؤسسات وأجهزة الدولة، وتستدعي. تدخل الشعوب والجماهير، لإرجاعها الي مسارها الصحيح. فالثورة إذن ظاهرة مشحونة بالمحتوى الانفعالي، وتتعلق بسعي المواطنين الي تقويم السلطة، قاصدين "تغيير دائم من نوع جيد" او "تقدم" او "تطور". ولا شك ان جموع الشعب السوداني التي خرجت إلى الشوارع عشية الثالث عشر من ديسمبر، وظلت مستميتة فيه الي غاية السادس من أبريل، كانت تمتلك آمالا وطموحات عريضة، دفعتها الي ثورتها واشهار غضبتها في وجه طغاة الإنقاذ. ففي ظل تدهور الوضع المعيشي، واشتداد عوار الحروب في هوامش الدولة، وانسداد الافق السياسي، كانت ثورة ديسبمر كما لو (عاصفة رعدية) محتمة ولا سبيل للانقاذ لتلافيها. والأكيد هو ان تلك الجموع التئمت منذ اليوم الأول في ثورة ديسمبر، بإرادة قوية، بهدف إعادة عربة الدولة الي المسار الصحيح، ولتوجد تغييرا دائما نحو الافضل، وتطورا وتقدما يتخلق عنهما واقعا سياسيا وإجتماعيا واقتصاديا جديد، ويتلائم مع حجم التضحيات التي قدمتها. فكيف هو الحال بعد مضي عام من ملحمة ابريل، أمن تغييرا ملموسا او تقدما ملحوظا? اقصد تغييرا في الحال والأحوال والاجتماع والاقتصاد والسياسة. تبدو الإجابة السريعة فخاً خطراً، وايضا يبدو التباطؤ في وضع الحلول التي يمكنها خلق التحولات الملموسة والتقدمات المرجوة في هذه القضايا والاتجاهات، مسألة عصية ومرهقة نفسيا للجماهير. فما المطلوب من القوى الحية للثورة وهل هي على إستعداد للتعاطي بشكل فعال مع تسارع الأحداث والتحديات التي تكبر كل يوم، خاصة مع غلبة الطابع الإصلاحي على عمل الواجهة السياسية التي نصبت نفسها كممثل للشارع وللثورة، والتي يبدو عليها الضعف الثوري البائن، وذلك إذا ما وضعنا مفهوم "الثوري" كمعادل موضوعي للذي يسعى الي التغييرات الجذرية او الي قلب الأوضاع برمتها.، قاصدا قلب وكنس القيم البالية، وإزالة مخلفات العهد السابق. ومعيدا بناء المنظومة والمؤسسات، بما يفضي الي انفراجات في الحياة والمعيشة، مع صياغة وهندسة جديدة للحياة العامة.
700 .1 K
السوق الأسود للأدوية

السوق الأسود للأدوية

فوق اليابسة | السوق الأسود للأدوية أُبي عمر سليم _ مُدون منظمة الصيادلة السودانيين أصبحت غالبية التجمعات الصيدلانية والطبية تتحدث عن الأماكن التى يتوفر بها إحدى العلاجات، كما أصبح أول سؤال يخرج من أفواه المرضى بعد الكلمة المعتادة نسبة للواقع المرير(العلاج ده مافي) وهي السؤال عن مكان توفر العلاج نسبة لعلم المرضى أنهم حتى وان صالوا وجالوا العاصمة المثلثة فإنهم لن يعثروا على مبتغاهم، هذا ان سمح لهم الزمن وأعطت الحياة فرصة لهم او للمريض الذى يرقد بالانعاش او العناية المكثفة وهو في انتظار رحمة الله تهبط من السماء بعد ان انعدمت رحمة البشر بين بعضهم البعض. خلال الفترة الماضية كثرت الازمات العلاجية تحديداً من ناحية الوفرة الدوائية ناهيك عن تردي حال المستشفيات والمرافق الصحية وهي كلها مخلفات ناتجة عن نظام الإنقاذ البائد(لا أعادهم الله) ولكن ما جذب انتباهي هي سياسة الأزمة الدوائية حيث بعد كل فترة، يحدث انعدام شبه تام لدواء معين لفترة ترافقها العديد من الضحايا الأبرياء، ثم يظهر العلاج عند بعض الأيدي المعدودة في العاصمة وبمبالغ مهولة واضعافاً مضاعفة ولكن ليس باليد حيلة ومرافق المريض الذى لا حول له ولا قوة يجد نفسه مجبراً على شرائه من ذلك المصدر بأغلى الأثمان. بالأشهر الماضية،حدثت أزمة في أحد أهم البروتينات يدعى ب "الالبيومين" تلته بعد ذلك أزمة نقص حادة في حقن ال "ادرينالين" قبل ان تنضم للركب العديد من الأدوية الخاصة بالامراض المزمنة، لتحدث أزمة أوقفت البلاد "على رجل واحدة" لفترة من الزمن وهي المرتبطة بانعدام تام للمحاليل الوريدية على رأسها دربات الملح ودربات السكر مع العلم اننا نشهد هذه الأيام انعدام لحقن ال "الميروبينم" ولعلمكم، جميع تلك الأصناف التى ذكرتها لم تكن سوى جزء بسيط من عدة أصناف وأنواع ومشتقات من أهم العلاجات الضرورية لحفظ استقرار المرضى والابقاء على حياتهم. ان السبب الأساسي لتلك الازمات الحادة هي نفسها الجهات التى تصور نفسها كمنقذ للأزمة وتعلن عن وجود العلاجات بحوزتها في منتصف الأزمة بالإضافة لضعف الرقابة الدوائية ووجود العديد من الثغرات في سلسلة الإمداد الدوائي بداية من الاستيراد مرورا بالامدادات الطبية وناقلي الأدوية وختاما بالمستشفيات والصيدليات حتى تصل لذوي الحوجة الأساسية. مثلاً، بالفترة السابقة كثرت المحاليل الوريدية بالسوق الأسود رغم أنها تأتي جميعها عبر الإمدادات الطبية، فأصبحت الإمدادات لا تمنح إلا المستشفيات فقط وكل حسب سعتها. فلم تنجح في وضع حد لتدفق المحاليل الوردية خارج الإطار المحدد، فأصبحت المستشفيات تمنع اعطاء المحاليل الوردية إلا للمرضى المستقرين في المستشفى نفسها. فتواصل المنوال وأصبح الأفراد يتوافدون على مختلف المستشفيات من اجل المحاليل بعد انعدامها في المستشفى التى بها المريض(والسبب مجهول) وهنا يصبح الصيدلي المسؤول بين حالتين، اما اتباع القواعد العامة ولغة المنطق والعقل وعدم صرف المحاليل والمغامرة بصحة المريض(إن وجد)، أو الانحياز لصوت قلبه وتقييمه الخاص واعطاء كل زائر مقابل المغامرة بأن تخرج للسوق الأسود وتنقص كميتك ويضطر المرضى لشرائها من نفس هذا الشخص بعشرة اضعافها ويا لها من معادلة صعبة. المحزن ان من يدفع الثمن في النهاية هم المرضى وارواحهم وصحتهم واموالهم، على الرغم من ان هناك خلل واضح ومعروف وحلقة مفقودة في تلك السلسلة(فبعض المستشفيات ربما تسرب الأدوية لتجار السوق الأسود، والبعض لا تنال حصتها الكافية ربما من تلك المحاليل او العلاجات والأزمة الواحدة لها ألف باب) هذه القضية اكبر بكثير من هذا المقال وهناك العديد من الأمثلة والنماذج التى سنتناولها لاحقاً وكان الله في عون المرضى وذويهم. فوق اليابسة؛ حدثتني إحدى المرضى من قبل أنها كانت تشتري المحاليل الوردية من رجل بالميناء البري بالخرطوم بمبلغ 210 جنيه مما يعني أكثر من عشرة أضعاف السعر الحقيقي.
695 .1 K
ما ھو طبیعي لدیك لیس بالضرورة طبیعي لدي

ما ھو طبیعي لدیك لیس بالضرورة طبیعي لدي

د/ مازن صلاح الدين محاضر علم وظائف الأعضاء علم وظائف الأعضاء "ھو العلم الذي من خلالھ نتعرف على طبیعة عمل كل جھاز في الجسم البشري وكیفیة تداخل ھذه الأجھزة مع بعضھا البعض" الشئ الذي بالضرورة یفضي الى فھم أعمق للمعجزة الالھیة التي ھي أنا وانت من أھم المصطلحات التي كثیرا ما تتردد على ألسنة الناس عامة وعلى ألسنة اھل الطب خاصة, كلمات مثل طبیعي وغیر طبیعي ومرضي. وكما یحلو لنا دوما أن نبدأ بتعریف ألأرضیة المصطلحیة قبل الدلوف في أي نقاش أو تفسیر. من المشھور أن كلمة طبیعي تعني أنھ لا وجود لأي نوع من المرض ظاھرا وباطنا, فعلى سبیل المثال لو أفترضنا أن ضغط الدم عند شخص ما یساوي 80/120 مم زئبقي فان ھذا یفسر على أن الأرقام في المستوى الطبیعي مما یدل على عدم وجود المرض المسمى بفرط التوتر الشریاني ارتفاع ضغط الدم كلمة طبیعي في أصل استعمالھا ھي كلمة ذات طابع ریاضي أو احصائي بمعنى أنھا تعبر عما علیھ الحال عند غالبیة المجتمع المعني, فمن الممكن جدا أن نرى اختلافات في نفس قیاسات ضغط الدم مع اختلاف المجتمعات وبالتالي تطلق كلمة طبیعي على متوسط الموجود عند ھذا المجتمع أو ذاك وتفسر النزعة المركزیة ظاھرة تراكم غالبیة الأفراد حول ھذا المتوسط الطبیعي ما قد ینظر الیھ على أساس انھ طبیعي لدینا قد لا یكون بالضرورة طبیعیا لدى المجتمع المجاور نسبة لأسباب عدة من اھمھا التباین الوراثي أو التاثیر المناخي الخ. یأتي دور البحث العلمي ھنا بفائدة جل عظیمة في تحدید ما ھو الطبیعي في منطقة جغرافیة ما لأناس تحكمھم ظروف جینیة معینة وسلوك غذائي خاص. فمن الممكن جدا أن نرى اختلافات في نفس قیاسات ضغط الدم مع اختلاف المجتمعات وبالتالي تطلق كلمة طبیعي على متوسط الموجود عند ھذا المجتمع أو ذاك وتفسر النزعة المركزیة ظاھرة تراكم غالبیة الأفراد حول ھذا المتوسط الطبیعي ما قد ینظر الیھ على أساس انھ طبیعي لدینا قد لا یكون بالضرورة طبیعیا لدى المجتمع المجاور نسبة لأسباب عدة من اھمھا التباین الوراثي أو التاثیر المناخي الخ. من حسن الحظ أن معظم الأرقام التي تعبر عن فیسیولوجیة أجسامنا كبشر على سطح الكرة الأرضیة تدور في فلك رقمي متقارب ولكن ھذا لا ینفي وجود الاختلافات التي قد تفسر خطا على أنھا مرضیة لو تم تجاھل خصوصیة الوراثة والطقس والعادات الغذائیة
560 .1 K
أين هي الدولة السودانية؟

أين هي الدولة السودانية؟

عبد الوهاب الأفندي أكاديمي سوداني، أستاذ العلوم السياسية في معهد الدوحة للدراسات العليا تثير الأحداث المؤسفة والمؤلمة، والمخزية أيضاً، التي تشهدها، منذ بداية الأسبوع الجاري، مدينة الجنينة، حاضرة ولاية غرب دارفور السودانية، أسئلةً مهمةً حول مدى وجود الدولة السودانية ومغزاه. يعزّز من هذا وصول رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، إلى المدينة المنكوبة، ليس لردع المجرمين وإقامة العدل، وهو أهم أهداف أي دولة ومبرّر وجودها، بل ليتوسّط ويناشد ويقدم النصائح. وليس هذا من طبيعة عمل الدولة، وإنما هذه واجباتٌ تقوم بها منظمات المجتمع المدني، والأجاويد، أما الدولة فمهمتها الردع. صحيحٌ أن جذور هذه الأزمة تعود إلى عهود سابقة، خصوصا عهد الإنقاذ الذي جاء إلى الحكم بشعار فرض هيبة الدولة في دارفور وباقي أنحاء السودان، وانتهى بها الأمر إلى تقويض هيبة الدولة وسلطتها، بل تقسيمها وتفتيتها. وفي هذا المقام، تحضرني تفاصيل حوار دار مع بعض مسؤولي وزارة العدل بشأن مجزرة وقعت في إحدى قرى دارفور في سبتمبر/ أيلول من عام 2010، فقد جاء فريق من الوزارة، ليجيب على تساؤلات الرئيس تابو أمبيكي، رئيس اللجنة العليا التي شكلها الاتحاد الأفريقي لدعم جهود إنهاء النزاعات في دارفور والجنوب، وكنت أحد شهود ذلك اللقاء ضمن فريق أمبيكي. وبحسب رواية فريق وزارة العدل، فإن تطور الأحداث بدأ عندما خطفت إحدى حركات دارفور شخصين من قبيلةٍ عربيةٍ تقيم في المنطقة، وردّت على الوساطة القبلية لإطلاق سراحهما "في دارفور، استخدمت آليات الوساطة القبلية التي وجدت قبل الدولة في دارفور والسودان، ثم آليات الثأر القبلي" بالرفض، ثم قتلت الرجلين. عندها، بدأت وساطاتٌ قبليةٌ من أجل دفع الدية للقتلى، وكانت النتيجة الرفض من الحركة المعنية. وخلال أيام، قام مسلحون من القبيلة العربية بهجوم على سوق في منطقةٍ يغلب على سكانها أفراد قبيلة الفور، وقتلت أكثر من أربعين شخصاً وجرحت عشراتٍ آخرين. بعد أن استمعنا إلى تفاصيل الإفادة، وجّهت للمتحدثين باسم الوزارة أسئلة حول توقيت معرفة الجهات الرسمية بتفاصيل هذه التطورات. وهل تقدّم أحدٌ بشكوى رسمية للشرطة مثلاً والجهات العدلية بعد عملية الاختطاف؟ أو بعد حادثة قتل المختطفين؟ أو عند مناقشة صيغة الدية؟ فاتضح أن أيا من أصحاب الشأن لم يلجأ للجهات الرسمية أو يعطها أي اعتبار. لم يستعن أحدٌ بالدولة وأمنها وشرطتها وجيشها ومليشياتها لاستعادة المخطوفين، كما لم تلجأ جهة إلى القضاء للمطالبة بمعاقبة القتلة أو فرض الدية عليهم، كما لم يطلب من الجيش والشرطة معاقبة الطرف المتهم. استخدمت في المقابل آليات الوساطة القبلية التي وجدت قبل وجود الدولة في دارفور والسودان، ثم لآليات الثأر القبلي، السابقة لوجود الدولة. ونظام الثأر القبلي بطبيعته منافٍ لأساسيات معنى العدالة، حيث إنه يأخذ البريء بالمذ��ب، ويجعل المواطن سجين هويته القبلية. مثلت هذه الاكتشافات صدمةً للحضور، خصوصاً أن استراتيجية فض النزاعات تعتمد على الدولة للتوصل إلى صيغ تنهي النزاعات، ثم تطبق هذه الصيغ على الأرض، فإذا كانت الدولة عاجزة، بل غائبة في عرف الجميع، وليست موضع ثقة، فهل يعني هذا أن كل جهود بناء السلام لم تكن سوى تضييع للجهود؟ بالطبع، لهذا التوجه "القبلي" دوافعه المنطقية، أولاً لأن سلطة الدولة محدودة تجاه حركاتٍ تتحصّن في مناطق خارج سلطتها. كما أن الثقة معدومة في الدولة، وهي تحديداً سبب قيام حركات التمرد. وعليه، يصبح إهمال الدولة منطقياً. يلوم معلقون كثيرون الاستعمار على خلق الشقاقات القبلية والإثنية في الدول الأفريقية وتعميقها، كما في كتابات محمود ممداني عن الحروب في دارفور ورواندا، وفي توصيفه للدول الأفريقية المستقلة وسياساتها. وهناك قدرٌ من الصحة في هذه الفرضية، حيث كرّست الدولة الاستعمارية في السودان القبلية متعمدة، بعد أن فشل نموذج الاستعمار المباشر في عرفها بعد ثورة 1924، التي قام بها الجنود والضباط الذين دربتهم ليكونوا أداة الاستعمار المباشر. هذا هو نصف الحقيقة، أو أقل من نصفها. الصراع القبلي في دارفور مثلاً سبق تطبيق سياسة الحكم غير المباشر، وكان أحد أهم أسباب الخلاف بين دولة دارفور المستقلة، بقيادة علي دينار، والسلطات الاستعمارية في السودان قبل ضمها للسودان في عام 1916، يتعلق بالتفلت القبلي، فقد كانت حكومة السودان حينها تؤوي عناصر التمرد القبلي ضد سلطة علي دينار، بينما كانت هناك شكاوى مستمرة من هجمات قبائل من دارفور على مناطق كردفان. بالمثل، كان لتعامل حكومات ما بعد الاستقلال مع الإرث الاستعماري دوره، من جهةٍ خلال ردة فعل عنيفة من نخب الاستقلال ضد الهويات القبلية الإثنية والقبلية، باعتبارها إرثاً استعمارياً بغيضاً، ما فرض، في أحيانٍ كثيرة، اللجوء إلى نظم سلطوية أو أنظمة الحزب الواحد، وقمع التعبير الحر عن الهويات. من جهة أخرى، لجأت السلطات نفسها إلى استغلال عين هذه الاستقطابات لتثبيت السلطوية، فنالت الشعوب حشفاً وسوء كيلة. في الحالة السودانية، كان استغلال النخب القبلية والطائفية لب المشكلة. ويشير فرنسيس دينغ، في دراسته حول الصراع في أبيي، إلى أن علاقات الود الحميمة بين قبيلتي المسيرية ودينكا نوك في منطقة أبيي اختلّت بعيد الاستقلال، مع وصول حزب الأمة إلى الحكم في عام 1956. وبحسب روايته، تغيّر تعامل زعماء قبيلة المسيرية مع جيرانهم، الدينكا، بعد أن أصبحوا جزءاً من السلطة الجديدة، كونهم من أنصار حزب الأمة، بينما كانت السلطات الاستعمارية تحتفظ بمسافةٍ واحدة من القبيلتين. كذلك بدأت بوادر أزمة دارفور بالظهور بعد إقرار الحكم الإقليمي في عام 1981، بظهور الاستقطاب القبلي بين الفور وبقية قبائل دارفور، باتهاماتٍ لحاكمها أحمد دريج بالتحيز القبلي، ثم ساء الأمر أكثر، بعد سقوط نظام جعفر النميري في عام 1985، وتعقّد بزيادة الهجرات غير المنظمة من دول مجاورة، فقد دخلت عناصر قبلية لا تملك أراضي خاصة بها، ولا تلتزم بالأعراف القبلية المتعارف عليها في الإقليم منذ قرون. وقد أدّى هذا، مع الجفاف الذي ضرب الإقليم منذ السبعينات، وزاد حدّة بداية من عام 1984، إلى حربٍ قبلية طاحنة، بين تحالفٍ من كل القبائل العربية في دارفور وقبيلة الفور بداية من عام 1987. ولعلها مفارقة أن نظام الإنقاذ نجح مؤقتاً في إنهاء هذه الحرب خلال أسابيع من تسلّمه السلطة. صحيحٌ أن الاتفاق تم على أساس مؤتمراتٍ انعقدت في عهد حكومة الصادق المهدي في الحقبة الديمقراطية، وكانت لحاكم دارفور حينها، التجاني السيسي، مساهمةٌ كبيرةٌ في إنجاح هذا الجهد. وقد حضرت في مطلع عام 1988 في زيارة لمدينة الفاشر بدايات هذا الجهد في مداولاتٍ كانت صادمةً بسبب اللغة التي استخدمت، وما روي عن فظائع تم ارتكابها. وفي الوقت نفسه، سمعت من نائب قائد المنطقة العسكرية أن الجيش كان عاجزاً عن التصدّي للمليشيات وعصابات التهريب، المتفوّقة عليه تسليحاً وعتاداً. ولكن ما ساهم في سرعة الحل هو شعور أطراف الصراع بأن النظام الجديد محايدٌ بينها، بخلاف الحكومة الائتلافية التي كانت منقسمةً بين الطرفين. وبالطبع، بقية القصة معروفة، حيث فقدت الدولة حياديّتها، أولاً حين اعتمدت على مليشياتٍ من دارفور في حرب الجنوب، ما جعلها تحابي القبائل "العربية"، وثانياً حين تفجّر الصراع في دارفور في 2003، حيث قامت بصورة مكشوفة بتأجيج الخلافات القبلية واستغلالها. وهذا يقود إلى النقطة الأهم، أن أساس السلام في أي بلد هو وجود دولة تكون محلّ ثقة من الشعب، وتمتلك مشروعية معزّزة بوفاق شعبي وسند أخلاقي قانوني، وراغبة وقادرة على فرض العدل والأخذ على يد الظالم، فالحكومة يجب أن تضع خطوطاً حمراء، وتطبّق القانون على من يقوم بالاعتداء، وأيضاً على من يأخذ القانون بيده بدعوى الرد على الاعتداء.. ما حدث لا علاقة له بأن النظام السابق كان إسلامياً أو غيره، بل بأن الحكومة لم تكن واثقةً من شرعيتها، ولم تكن تثق في جيشها ولا في سندها الشعبي، فلم تقدّم السند والدعم للجيش، واستخدمت مليشياتٍ خارج نطاق القوات النظامية، وحوّلت أجهزة أخرى، مثل جهاز الأمن، إلى مليشيا مسيسة. وهذا ينفي بالضرورة صفة الدولة عن نظامٍ كان، في خطابه، كثيراً ما يتحدّى الشعب أن ينازله، كما يفعل زعماء العصابات. المطلوب ألا يكرّر الخطأ كما هو واضح من توجه في الحكومة الحالية إلى استقطابٍ من نوع جديد، وعد ثقة في الشعب والجيش، ومحاولة لإيجاد نظامٍ خائفٍ مرتعش، يتحالف سلفاً مع مليشيات متهمة بجرائم حرب، فقد كان لافتاً أن رئيس الوزراء ذهب إلى الجنينة بصحبة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، علماً أن أحد الأطراف، المشارك في جرائم المدينة محسوب عليه. فوق ذلك، شهد قلب العاصمة السودانية في ليلة رأس السنة الميلادية حالات انفلات أمني وجرائم بشعة، في غيابٍ شبه كامل للسلطة، تمثلت في قيام عصابات وحشود بعمليات تخريبية، وأسوأ من ذلك، الاغتصاب الجماعي العلني لفتيات والتحرّش الجنسي. كل هذه علامات خطر ونذر شر مستطير، لا يُجدي معها التذرع بال "مؤامرات"، كما كان يفعل النظام السابق، فلا بد من التبصّر في عواقب السياسات التي تمزّق الشعب، وتُضعف الدولة، فتقع الكوارث حين لا ينفع الندم. عبد الوهاب الأفندي 4 يناير 2020
556 .1 K
سنقنيب جزيرة

سنقنيب جزيرة

سنقنيب جزيرة تابعة لولاية البحر الأحمر وهي عبارة عن محمية بحرية تقع على مقربة من مدينة بورتسودان في المياه الإقليمية السودانية داخل البحر الأحمر. وهي المحمية البحرية الأولي في السودان. تتميز المحمية بوجود الشعب المرجانية وما يصاحبها من وجود نباتي وحيواني من أسماك وأحياء بحرية أخرى. تقرر أن تصبح محمية كان بقرار تاريخه (1 يناير 1990). وهي جزيرة تمتد من الشمال إلي الجنوب بطول 6 كم وعرضها 2 كم وتشمل ثلاث بحيرات داخلية مما يخلق بيئات نباتية وحيوانية متعددة. وهي الجزيرة الوحيدة بالبحر الأحمر التي تكتمل فيها دائرة الشعب المرجانية "أتول". تتولى المحافظة عليها قوات خاصة مدربة تتبع الشرطة السودانية. يوجد بمحمية سنقنيب البحرية حوالي 124 مجموعة من الشعب. كما يتواجد بها تمثيل لكل عائلات الحيوانات الرخويات الثابتة والمتحركة وتتمثل بها الشوكيات تمثيل جيد وكذلك الأسماك حيث يوجد بالمحمية "3" أنواع من سمك القرش، ويزور المحمية لفترات مختلفة الحوت أبو علم والدولفين كما تتواجد بها السلاحف البحرية.
492 .1 K
الدولة من منظور الدين و الدولة المتعلمنة

الدولة من منظور الدين و الدولة المتعلمنة

الدولة من منظور الدين و الدولة المتعلمنة مصعب حسين الاحرار برزت العلمانية كفكرة عاطفية هائجة عندما استحكم نمط من التدين في السلطة، أدى ذلك النمط لتقويض الحياة الطبيعية فقمع العلماء بذريعة كفرهم وزندقتهم. لكن بروز العلمانية كفكرة هائجة لم يكن إنطلاقاً من معرفة دقيقة بالذات الإنسانية، لكنه نوع من التطرف المضاد لتطرف التدين. ولابد للحديث عن فكرة الدولة ومعانيها الجوهرية، أن نعطي فلسفة أساسية لدور الدين في عالم الحياة وتأثيره في المجتمعات، قبل أن نكشف علل العلمنة للسلطة. كما نود التبيين أن العلمانية لم تطبق فعلياً في اوروبا حيث مهدها، بل نازعتها الفطرة البشرية فنحت منحى التدين المبطن بإسم العلم، فكل دولة تعتبر حقوق الإنسان جوهر قيمها هي دولة دينية بصورة أو بأخرى. لقد نشأت العلمانية يوم نشأت بعاطفة هائجة ضد التدين المجافي لشأن الحياة السياسية، فبدلاً أن يجتهد أصحابها في تحويله لتدين يؤثر في شأن الحياة العامة راحوا لنبذ الدين جملةً واعتبروا أن العلة في الدين لا في التديُّن، وشتان بين الدين والتدين. غير أن هناك ملاحظة لابد منها وهي أن الدين الذي ضاق به ذرعاً المجتمع الأوروبي هو دين مجافي فعلاً لواقع الحياة العامة، فالمسيحية التي نشأت في اوروبا تحرفت وبَلِيت وأصبحت عبئاً على الذات. وطابعُ الإسلام الحركة والمدافعة والإنغماس في لبّ الحياة الإنسانية ومشكلاتها، بخلافِ ما عهدت أوروبا من أنماط الدين. وعليه فحديثها عن الدولة في نطاق الدين هو حديث عن الدولة في نطاق الإسلام لا في نطاق أي دين آخر. ويتبين تدخل الإسلام في شأن الحياة العامة وتوغله في بنيتها في شتى ضروبها وشعابها واركانها، فنجد القرآن يتحدثُ عن العدالة الإجتماعية في قضايا متعددة أبرزها الزكاة والصدقات والمواريث وأحكامها، ويتوغل في السياسة العامة فيتحدثُ عن العدل والشورى وتحكيم القسط، ويتحدثُ عن الإقتصاد في صور شتى من الوان التجارة ومضابطها العامة التي تربوا بها الحياة وتزدهر ويُحرمُ التعاملات التي يضمحلُ بها شأن الإقتصاد ويذبُل. الدولة من منظور الدين هدفها تحقيق القدر الأنسب من العدالة الإجتماعية وتحقيق قيم الإنسان العليا في الأخوة والتسامح، أما من منظور العلمنة فالدولة عبارة عن آلة قابضة تفكك قيم المجتمع وأخلاقه وتجعل الإنسان عبارة عن وظيفة في كومة الطبيعة. ولسنا بحاجةٍ تفصيلية لسرد تلك المشاهد القرآنية الفسيحة المبثوثة في جنباته بجانب التأكيد على مسائل العقيدة والإيمان وتفسيح الحياة الإنسانية دون أفقها الأرضي المحدود، فالقرآن ليس خطاباً روحياً محضاً في الحين الذي يمتلكُ خطابه كل الروح، وليسَ خطاباً مادياً دنيوياً وإن كان فيه إشارات عميقة لقيمِ إستقامة الدنيا. ومن هنا فالدين ليسَ مؤسسة بشرية خاضعة لميزان الهبوط والصعود، إنما ذلك شأن التدين، أي شأن الناس قدرَ كسبهم من الدين إهتداءً وضلالاً. ودور الدين في السياسة ليس جعلها معصومة لان البشر لا عصمة لهم، بل دوره تثبيتُ القيم السياسية في ميزان الدولة وتطويع الدولةِ للقيم حتى لا تغدو الدولة متضخمةً على حساب الروح. ولا يتمُ ذلك بنمط العلمانية النابذ للدين، فلو قامت العلمانية فكرةً لإصلاح الدين لكانت دورةً من دورات التجديد الديني المستمر، ويمكن إعتبار جزء ضئيل منها أنها كذلك، لكنها قامت متطرفة فاقتبست من تطرف المتدينين تطرفهم، فكانت تمثل تطرف المادة وظل المتدينين المتطرفين يمثلون تطرف الدين. فما الفروق الجوهرية بين الدولة من منظور الدين والدولة المتعلمنة : 1. الدولة من منظور الدين عبارة عن هيكل مؤسسي منظِم للحياة العامة، يجب أن يتسخر لخدمة الروح والقيم، بينما من منظور العلمنة الدولة هي غايةٌ لذاتها. 2. الدولة من منظور الدين هدفها تحقيق القدر الأنسب من العدالة الإجتماعية وتحقيق قيم الإنسان العليا في الأخوة والتسامح، أما من منظور العلمنة فالدولة عبارة عن آلة قابضة تفكك قيم المجتمع وأخلاقه وتجعل الإنسان عبارة عن وظيفة في كومة الطبيعة. 3. رؤية الدين للدولة أنها بكل مؤسساتها يجب أن تمثل الإنسان ولا تخصم من قيمه أو تدوس كرامته وذلك ليس في نطاق جغرافي بعينه بل الإنسان كإنسان متجاوزة بذلك أطر القومية. أما الدولة من منطور العلمنة فهي وعاء يخدم مصالح مادية لفئةٍ من البشر دون آخرين. 4. الدولة من منظور الدين إنما هي وظيفةٌ بذاتها وهذا هو حجمها الطبيعي، أما من منظور العلمنة فيمكن للدولة أن تتعدى حجمها فتبتلع الإنسان. 5. الدولة من منظور الدين تدور وجهتها حول الله، أما من منظور العلمنة فإن الله خارج معادلتها فليس هناك ما يسمو بالروح وبالتالي فكل شي طبيعي وكل شي يجوز، حتى امتهان كرامة الناس. 6. قد تدعي الدولة العلمانية الحفاظ على كرامة الناس واخلاقهم وقيمهم بأي مسمى غير المسمى الديني مع أنه لا مصدر للقيم ولا للأخلاق إلا الدين، فكل دولة تحمل في نموذها رسالة مثالية هي دولة ذات طابع ديني مهما ادعت عكس ذلك.
457 .1 K
الاستعمار و تأنيث الشريعة

الاستعمار و تأنيث الشريعة

(صدرت في السودان عن دار الخرطوم للصحافة والنشر الطبعة الثانية من كتابي "الشريعة والحداثة: جدل الأصل والعصر". وهو موجز وافي تقريباً لصورته الأخرى في إنجليزية وعنوانها "هذيان مانوي: تحرير القضائية الاستعمارية الثنائية والإحياء الإسلامي في السودان، 1898-1985" (بريل 2008). ويحاول الكتاب الخوض في شأن "أسلمة الدولة" المستقلة بعد 1956 على ضوء مدرسة ما بعد الاستعمار (وهي منصة أكاديمية يسارية) بما يتجاوز التأجيج العلماني الذي اكتنف هذه المسألة منذ بروزها على السطح في دولتنا الوطنية المستقلة. وسيجد القارئ إنني رددت زحف الإسلام الموصوف بالسياسي إلى أصل في جغرافيا الدولة الاستعمارية أحسن وصفها المفكر الفرنسي (من أصول مارتينكية سوداء) وسماها بالجغرافيا المانوية. وتنقسم بها المستعمرة إلى فضاء حديث وفضاء تقليدي متشاكسين ضربة لازب. ولم ننجح بعد الاستقلال في تفكيك هذه الجغرافيا بإرادة وطنية غراء واعية. وأضطرب أمرنا وظللنا نتخبط في إسار هذه الجغرافيا بدلاً من تجاوزها إلى بناء الوطن المعافى من عقابيل الاستعمار. وحرصاً على أن يقرأ الكتاب من في الاغتراب ولا سبيل لهم في الخرطوم إليه أنشر هنا فصله الأول منجماً. ويبدأ الفصل بسؤال قديم رن في كتاب زكي مصطفي عن قانون السودان القائم على القانون العام الإنجليزي (1971) وهو: ألم تكن الشريعة أولى بأن تكون هي قانون السودان على عهد الإنجليز حتى بشروط العدالة والوجدان السليم التي جعلوها مبدأ سامياً للقسط. وأردت باستعادة السؤال المحير تفكيك عقائد صفوية استقرت عن بؤس الشريعة كنظام حقوقي. وهي عقائد لم تقع لنا اجتهاداً منا وكدحاً بالفكر بل بالتابعية نطأطأ له جبراً ونتبناه اعتباطاً بما عرف ب " الاستشراق الداخلي". لن تلتزم عناوين المنشور من الفصل منجماً بعناوينها الأصلية). نحاول في هذا الفصل الباكر أن نجيب عن سؤال أثاره الدكتور زكي مصطفى في كتابه القيم عن القانون السوداني القائم على القانون العام الإنجليزي (1971) وهو: "لماذا لم يستفد القضاة الإنجليز وخلفهم من السودانيين من الشريعة الإسلامية في إنشاء قوانين السودان، في حين كان متاحًا لهم ذلك بفضل الصيغة الموجهة لعملهم القضائي والتشريعي القائلة إن بمقدورهم الاستعانة بأي قانون طالما لم يصادم العدالة والسوية وإملاءات الوجدان السليم؟". وقد رأت الدراسة أن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي أن نجدد النظرة في الخبرة الاستعمارية البريطانية ومنزلة الهند في استواء هذه الخبرة ونضجها. يميل دارسو الإمبراطورية البريطانية بشكل متزايد للبحث في دور الهند في إحداث هذه التشابهات الملفتة في التجربة البريطانية الاستعمارية، «والتهنيد» هو التعبير الذي اختاره تيموثى بارسونس لوصف المؤسسات البريطانية الاستعمارية التي تسربت عبر الهند إلى الإمبراطورية كلها. ففي رأى لبارسونس أن الثقافة والمؤسسات التي نشرها البريطانيون حول العالم كانت في الغالب هندية أكثر منها بريطانية. أما أي كوستا فيصور وحدة التجربة الإمبريالية البريطانية في عبارات مأخوذة من علم البستنة. ويؤكد أن الأفكار الإدارية ولدت في حاضرة الإمبريالية، وتمت تربيتها في محاضن الهند، وبلغت مرحلة النضج في أفريقيا. وقد وجد تعبير التهنيد صياغته الأكثر دقة حتى الآن في أعمال الكاتب الأفريقي محمود محمداني. فقد ناقش بصورة عرضية، ولكن بقوة، الوحدة الإدارية للإمبراطورية البريطانية. وأظهر أن إفريقيا، كآخر المعاقل الاستعمارية، تعرًضت لأشكال من الإدارة كانت قد جُربت أولاً في الهند. وأضاف أن التفكير الاستعماري فيما تعلق بأفريقيا كان وثيق الصلة بالتفكير البريطاني في إدارة الهند بصورة أعمق مما هو ظاهر للعيان. وإذا كان ثمة اختلاف ربما كان في أن الإجراءات التي اتخذها البريطانيون لعلاج داء تحلل المجتمع التقليدي في الهند، وهي المستعمرة الأقدم، تحولت إلى تدابير وقائية لمنع ذات التحلل في أفريقيا. وقد أبانت عن هذا الجانب العلاجي الوقائي في السياسة الاستعمارية في الهند وأفريقيا كلمات حاكم عام السودان في 1908م. فقد تفجع الحاكم من كون الطبقة السودانية الراقية رفضت إرسال بنيها لورش التدريب الحرفي التي أنشأتها الإدارة، لأنهم يريدون لهم أن يصبحوا أفندية أي «موظفين صغارًا» تقليدًا للأوروبيين، وقد رأى في هذا نظيرًا لما وقع في الهند في وقت مضى فقال متعجبًا: «أليس في الإمكان الاعتقاد بأن بذور تجربة هندية ثانية قد تم بذرها هنا في السودان !! ». ومظاهر الوقاية في أفريقيا من أمراض عالجها الإنجليز في الهند كثيرة. فقد رأى البريطانيون في قادة التحركات الأولى للوطنيين السودانيين «الأفندية» صورة للثائر الوطني البن��الي في الهند والمعروف عندهم باسم «بابوس». وكنتيجة لذلك جهدت السلطات البريطانية – بصورة واعية – للحفاظ على ما توخت أنه الأصالة الثقافية لكلية غردون التذكارية. فمع اندلاع ثورة 1924م، غير البريطانيون قواعد الزي في الكلية. فقد طلبوا من الطلبة ارتداء الزي الوطني وهم الذين شجعوهم بادئ الأمر على ارتداء الزي الغربي الأوروبي. وقد أملت التجربة الهندية أيضًا على البريطانيين أن يفطموا طموح الطبقة المتعلمة الناشئة في السـودان وأن « يلزموها محلها » حتى لا يتكرر ما حدث لهم في الهند من تسييس لهذه الطبقة صوب الطموح الوطني. ولذا تحول البريطانيون عن الحكم المباشر، الذي يتم بواسطة الأفندية، إلى الحكم غير المباشر الذي هو حكم الإدارة الأهلية ومشائخ القبائل. وسيتوضح الأثر السالب للإدارة الأهلية على الشريعة الإسلامية كتقليد شرعي «مشروع» في الفصل القادم. واحد من أخصب المجالات لدراسة تهنيد أفريقيا «أي تشكيلها -استعماريًا -على النمط الهندي» هو مجال استيراد ونقل القوانين ووضعها. ففي السودان كما في بقية أفريقيا، جرى نقل وفرض مجموعة القوانين الهندية والتي كانت بدورها قد اشتقت من القانون الإنجليزي العام. وسأجادل في هذا العرض أن الشريعة الإسلامية لم تعط مثقال فرصة للكشف عن قيمتها كمصدر محتمل لتحديث القانون خلال فترة الحكم الاستعماري. وسأشدد على أن التجاهل أو «التجنب» المتعمد للشريعة شاهد على تهنيد الإمبراطورية البريطانية الذي اعتمد فيه البريطانيون على مخزون من تجربتهم الاستعمارية في الهند لتفادي أخطائهم في حكم هذه الدرة في تاج إمبراطورتيهم في إدارة مستعمراتهم الطارئة في أفريقيا. وفور استيلائهم على السودان بدأ البريطانيون في تأسيس نظام محكم لتدبير النظام العدلي. وقاد هذا في النهاية، وليس بالضرورة، إلى نظام ثنائي للقضاء يشتمل على قسم للقانون المدني وآخر للقضاء الشرعي. وظلت هذه الثنائية معنا حتى أوائل الثمانينات حين أجبر الرئيس نميري القضائية على توحيد نفسها وتخطى ثنائيتها. اختص القسم المدني بالقانون الجنائي والمدني بينما اقتصر القسم الشرعي على قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين من نكاح وطلاق وغيره. وبحصر الإنجليز للشريعة في حيز الزواج والطلاق والميراث يمكن القول بأنها قد « أُنٍّثت » بواسطة الاستعمار الغالب الذي وطئ السودانيين المسلمين وأذلهم. وقالت باحثة عن موقف التأنيث للشريعة كلمة بليغة. فقد قالت: «إنه بحصر الاستعمار للشريعة في شؤون الأسرة فقط فكأنه قد نقل الإسلام من أرض معارك المقاومة الشرسة إلى غرف النوم». جاء البريطانيون للسودان بعد أن خلصوا على ضوء تجربتهم في الهند ( بأقليتها المسلمة كثيرة العدد حيث كانت الشريعة هي قانون البلاد في ظل حكم المغول قبل الحكم البريطاني) إلى أن القانون الإسلامي لا يصلح لدولة حديثة. وقد انقضى وقت كثير وجدل خصب قبل أن يستقر هذا المبدأ الإنجليزي حول الشريعة في الهند ذاتها
409 .1 K
التكتيك و الاستراتيجية ودور الانتلجنسيا

التكتيك و الاستراتيجية ودور الانتلجنسيا

د. محمود المعتصم الفرد: إن سؤال التكتيك و الاستراتيجية هو سؤال الفرد والايديولوجيا. دعني أبدأ من نقطة غير متوقعة: بعد حراك سبتمبر 2013، الذي لم اشارك فيه ولو بالخطاب والحشد رغم انني كنت موجودا في السودان (وقتها كنت في حالة من اليأس، الحل الديمقراطي لم يعد يمثل مخرجا بالنسبة لي، ولم أكن بعد توصلت للحل الشيوعي كمنظم نظري وعملي لأفعالي، وأنا لست مثل البقية، لا تمثل الجماهير بالنسبة لي سندا معنويا، هي نقطة الحقيقة ولكنها ليست حقيقة مكتملة في ذاتها، بالتالي كنت وقتها في حالة شلل كامل، وبحث)، أذكر أنني في حوار مع صديق عزيز سألته: هل هنالك حل للمسألة التاريخية التي نحن فيها؟ أجاب: لا. سؤالي التالي كان: هل ستشارك مع الناس لو قامت ثورة شعبية؟ أجاب: نعم. هنا سؤالته: أليست "الجماهير" إذن هي نقطة المطلق التي لا نستطيع جميعا تجاوزها؟ هي شيء نحن نعتمد عليه. حتى عندما نكون على دراية كاملة بأنه ليس هنالك حل، إلا أننا مع ظهور الجماهير نتحول لناشطين مرة أخرى. أنا أحاجج أن هذه المشكلة: مشكلة الاعتماد على تحرك رد الفعل خلف الجماهير. هي سبب الشلل الذي تظهره الانتلجنسيا السودانية في كل ملف تاريخي. (بإستثناء الحزب الشيوعي في الخمسينات والستينات، و الحركة الاسلامية في الفترة التالية). الأمر هنا هو أكثر من تصور نرجسي للواقع. في الحقيقة، وربما لحسن الحظ، فإن العالم سيستمر في التحرك، والاحداث التاريخية ستستمر في التفجر، بغض النظر عن تصوراتي أنا وتصورات صديقي. أنا أعرف ذلك جيدا. المسألة هي أن الواقع يتحرك بتلقائية. هنالك اينيشريا في التاريخ تدفعه إلى الامام نحو عدد من الاحتمالات الحتمية: حرب أهلية أو تشارك سياسي، ديمقراطية أو ديكتاتورية، حداثة أو رجعية... كل ذلك طبعا تحت المحدد الأعلى وهو الرأسمالية. في النهاية فإن الملطق اليوم هو الملكية الفردية (للأسف ليس ملكيتك أنت يا قاريء هذه الكلمات.) هنالك فرص لأن يتحرك الواقع داخل تلقائيته، ولكن مع توجيه محدود جدا هنا وهناك. أحيانا يكون ذلك التوجيه كافيا: كما أشار ماركس، فإن المجتمع البرجوازي الذي أنتجته الثورة الفرنسية، كان محددا في حقيقته النهائية بحرية "التعاقد في السوق" وليس بالحريات السياسية التي جاء بها اليعاقبة. ولكن رغم ذلك، فإن التدخل في التاريخ الذي أنتجه النادي النخبوي الباريسي، كان وما زال تدخلا رئيسيا ومحوريا. وهو تدخل ضد تلقائي تماما (كما يشهد مقدار العنف، العقلاني وغير العقلاني، الذي أكتنفه). يمكن للمرأ أن يتخيل واقعا بديلا: الرأسمالية بدون الحريات الفردية التي أسس لها اليعاقبة أنتجت دائما أنظمة فاشية مخيفة جدا، إبتداءا من أنظمة موسيليني و هيتلر ونهاية بالصين الحالية. اليوم نحن بحاجة لعدد من التدخلات ضد التلقائية. محدودة و واقعية جدا. مثل التدخل من أجل منع الهيمنة الخارجية، من أجل تأسيس "عقد إجتماعي" يقطع داخل ثنائية الدين والحداثة، ثم بالمجمل من أجل تأسيس نمط حراك سياسي يجعل الارتداد على الديمقراطية صعبا. وهذه التدخلات حتى تتم فهي بحاجة لحركات سياسية/إجتماعية لا تعمل بنظام رد الفعل. ولا تتبع الجماهير. بل ولا تهتم للفضاء الجماهيري العام بالمجمل: إذا بدأ أي حراك سياسي وفي داخله خوف من ردود الفعل ورغبة في شعبية جارفة من البداية، فهو يحكم على نفسه إما بالفشل أو بالتبعية و بالتالي التحول لجزء من الكل التلقائي. لذلك أنا أبدأ من الفرد. أنت بحاجة لأفراد لديهم أداة تمكنهم من الانسحاب من التكتيك وقت الحوجة والتعلق بإستراتيجية معينة لفترة طويلة نسبيا وتحمل تبعات ذلك. الأداة تسمى الأيديولوجيا. هل يمكن الأدلجة "ديمقراطيا"؟ في الحقيقة، أنا أحد أكثر الناس كرها للديمقراطية. أستاذي آلان باديو يقول بوضوح: إسم العدو اليوم هو الديمقراطية. وأنا أؤمن على ذلك. لكن.. التفكير الاستراتيجي هو تفكير مرحلي بالتعريف. الوعي الزائف يمتاز بتلك القفزة بين الفرد والنهاية: عندما تصدع النسوية الكاذبة أذاننا بكلمة "حرية المرأة"، فإن الوعي البرجوازي الزائف يظهر في حقيقة أن هذه النسوية النخبوية لا تبذل أي مجهود في التساؤل حول كيفية الوصول لتلك الحرية؟ ما هي المواجهات والتنازلات الممكنة؟ ما هي التكلفة؟... كل ما يطرح أحيانا هو رغبة مجردة في أن يتحول المجتمع السوداني فجأة لنفس درجة التحرر في المجتمع السويدي. الشيوعي الكاذب سيخبرك كيف أنه في المجتمع الشيوعي سوف يختفي الاستغلال. ثم في اليوم التالي سيقوم عمليا بنزوات تدمر فرص التمرحل نحو إمكانية شيوعية. وهكذا. للوصول لحالة من الالتفاف حول أيديولوجيا ديمقراطية، علينا أولا كأفراد أن نتأدلج حقيقة خلف رايات أخرى. الديمقراطية لا تصلح كحل في ذاتها. هي "مرحلة". وعليها أن تأخذ في المنظومة العقدية تلك المنزلة. أولئك الذين دخلوا الواقع السياسي كرد فعل بعد هياج شعبي واسع. الذين يرفعون شعار "المدنية" أو "الديمقراطية" كأهداف لذاتها، هم أشخاص لا يمكن أدلجتهم ديمقراطيا فعلا. ولذلك سنرى في قادم الأيام أن الكل سيتخلى عن الشعار في أول ملف. بالنسبة لي. أعتقد أنه أمام أي حراك إشتراكي أو شيوعي، تظهر مسألتان: مسألة نزع القوة من المراكز الإقتصادية المهيمنة. منع فرص التحول لديكتاتورية. صنع وتصميم الحراك الاجتماعي على خط طبقي يجعل القوة العليا هي للأغلبية. الاجابة عن السؤال الأول، الأكثر منطقية هي العنف. وذلك فعليا ما حدث في كل البلدان التي حدث في تحول سريع لمراكز القوة من البرجوازية للكادحين. مثل كوبا و الصين و روسيا. لكن ولأن سؤال الملكية ما زال قائما. تحولت الدولة لمركز الملكية الجديد. وبالتالي تركزت فيها وفي الحزب قدرة وقوة هي خطر حقيقي على أي حريات سياسية. وكان. هنا تأتي مسألة إستعمال الديمقراطية كمرحلة. بالتأكيد فإن الحراك الديمقراطي هو حراك بطيء. وتكتنفه مصاعب جمة في ما يتعلق بإمكانية توجيه الناخبين عبر المال وغيرها. إلا أنه مع ذلك، فإنه هنالك فرص لتحويل الحراك الديمقراطي لحراك ذو عنف هيكلي كافي لزعزعة مراكز القوة، كما حدث في فينيزويلا و بدرجة أقل في تشيلي. ثم إن الحراك الديمقراطي، والحريات الفردية التي توجد خلاله، هو فرصة لأدلجة أبطأ ولكنها أرسخ. شيء أن تدرس القاعدة في المدارس إجباريا عن الشيوعية و شيء آخر أن يتدرب الكادر ويتوسع تدريجيا، في مجتمع حر، للإجابة فعلا على أسئلة الناس. أخيرا فإن القاعدة، في مجتمع غير صناعي مثل السودان، سيكون بإمكانها أن تتنظم بصورة أفضل في واقع ديمقراطي. إذا سلكنا سبيل الخيار العنيف، اليوم، فإننا سنكون كمن يدرب مجتمعا من الأسماك للحرب في البر. يلتزم النظام العالمي هيكليا بنظم و سرديات عن الفعل في الفضاء العام لا تتحمل غير الحركات السلمية. ويجب الألتزام بذلك، مثلما نلتزم مثلا بأن "اللغة" هي وسيلة ايصال أفكارنا. لاحظ أنني لا أذكر حسنات الديمقراطية. بل أذكر فقط كيف أنها جزء من طريق أراه نحو العدالة الإجتماعية والإشتراكية. أنا أرى كذلك أن أي حركة إجتماعية لا تؤمن بالديمقراطية لوسيلة وكمرحلة، هي حركة إجتماعية "ضعيفة هيكليا". الضعف الهيكلي هو أن تكون الفكرة خلف الحركة الاجتماعية غير قابلة للتحرك داخل الهيكل الكلي الحتمي. وهو ضعف يلغي أي إمكانية للفعل في التاريخ. أنت يمكن أن تظهر كفاعل في التاريخ مثل "تنظيم القاعدة" أو "داعش". يمكن لعنف الضعف الهيكلي أن يكون من الشدة بحيث ينظم المجازر الجماعية ويحكم أقطارا كبيرة. إلا أنه في النهاية دائما "عنف أخير" يسبق الاختفاء الكامل. سأترك للإسلاميين مساحة التفكير في علاقة حقيقية بينهم والديمقراطية. لكن متى ظهر الأفراد الذين تشكلت في وعيهم هذه القناعة فهم حلفاء في هذه المرحلة. دفاعا عن النخبوية: سيلاحظ القاريء هنا أنني لا أستهدف في هذه الكتابة سوى قطاع صغير جدا من الشباب القابل "للأدلجة". أنا في الحقيقة أكره فكرة أن السياسة هي فعل شعبوي مباشر. وأرى أن الشعبويين دائما يحاولون إخفاء ضعفهم النظري والعلمي خلف معاناة الناس وأحيانا خلف غضب الناس واحتجاجاتهم. في الحقيقة فإنه من غير الطبيعي أن يمتهن كل الناس الفعل السياسي. ذلك الحلم بأن تتحول ارادة الجماهير بصورة مباشرة لواقع، هو حلم النرجسي بأن تتحول إرادته هو لإرادة شاملة. ما يحدث فعلا هو أن الحركات الإجتماعية تقوم على تنظيمات بها أقلية فاعلة. لها أيديولوجيا معينة وإرادة تحاول فرضها. و العلاقة الصحية هي علاقة "تحالف" مع الناس وليس إمتزاج بهم. وبقدر ما كان تحالف الناس معك مفيدا لهم بقدر تحول حركتك لحركة ذات قاعدة صلبة وقدرة. ما يحدد صحة هذا الفعل النخبوي من خطأه ليس مدى ارتباطه العضوي بالناس. بل مدة توافق اهدافه مع مصالح الناس. اليوم في كل أنحاء العالم تتفجر حركات شعبوية يمينية عنصرية وبغيضة. بعلاقة عضوية مع الناس. ولكنها مع ذلك تعمل ضدهم. قديما سمى الشيوعيون النخبة الصغيرة، الانتلجنسيا المنظمة جيدا، "الطليعة". وكانت الطليعة، إن كان في أوقات كتابة استراتيجيات الحرب الأهلية ضد القوميين في الصين، أو في أثناء التخطيط للثورة الاشتراكية في روسيا، تعمل من أجل الناس مع تحالف من على البعد معهم. تحالف خلقاته هي الخطاب المعتمد على الصدق، و الفعل المبني على المبدأ. والثقة في الناس هي الثقة في أن الشعب حال وقف الطليعة كقوة صلبة تناضل لأجله سيلتف حولها، بلا حوجة للإستجداء و لا النفاق و لا التكتيكات الشعبوية المتعلقة بتمثيلية أننا "نتبع الجماهير". عن الضرورة و القرار: أن يقرر الواحد منا.. أن يقرر أنه سيؤمن بفكرة بصورة حقيقية، وأن يلتزم (أشدد هنا على كلمة الالتزام و الانضباط التي هي عندي دليل صدق الفرد، سهل القول، أما أتفه الأفعال اليومية فهو صعب جدا). هو في الحقيقة "فعل". بل ربما هو أول الأفعال و آخرها. ما يلي ذلك هو خلق تلقائية جديدة تنجز المهمة بصورة طبيعية. لكن ذلك القرار هو في حد ذاته ناتج جدليا من البدايات الخاطئة. إن ظن أحدهم بأن عملية الادلجة هي عملية نظرية فقط فهو مخطيء. عملية الادلجة في جوهرها هي عملية تحول الفعل اليومي نفسه لشيء مختلف بدون أن يشعر الواحد منا بذلك. وهذه العملية تحدث نتيجة احتكاك وتجربة. بل وتجارب. أغلبها مصيره الفشل. ما يمكن قوله هو أن هذا القرار. هذه الأقلية الطليعية التي يمكنها أن تتحول من تكتيك تبعية الواقع للإستراتيجية والفعل الحر. هي ضرورة. يشهد عليها خيار الموت والعنف الذي يحدق في وجوهنا جميعا. أريد فقط أن أذكركم.
395 .1 K

الاعلى مشاهدة

المنح التركية_2020

أعلنت إدارة المنحة التركية إفتتاح التقديم للعام 2020م بتاريخ 10-01-2020 عبر الموقع الرسمي للمنحة على الإنترنت، حيث يقدم له سنوياً ١٠٠الف طالب حول العالم، وينتهي التسجيل في 20-02-2020 لجميع المستويات الأكاديمية ( بكالوريوس، ماجستير ، دكتوراه ) مميزات المنحة التركية تتميز المنحة بأنها ممولة بالكامل وتغطي كافة التكاليف من أقساط الجامعة إلى بدل سكن وتأمين صحي، وتغطية تكاليف السفر والفيزا للمتقدمين من خارج تركيا، بالإضافة إلى راتب شهري. المعاش الشهري البكالوريوس 700 ليرة تركي الماجستير 950 ليرة تركي الدكتوراة 1400 ليرة تركي البحوث 3000 ليرة تركي شرط العمر: البكالريوس من تاريخ 01-01-1999( اقل من 21 سنة) الماجستير من تاريخ 01-01-1990( ��قل من 30 سنة) الدكتوراة من تاريخ 01-01-1985( اقل من 35 سنة) البحوث من تاريخ01-01-1975 ( أقل من 45 سنة) مميزات المنحة يحصل الطالب المقبول في المنحة على تذاكر سفر مدفوعة من قبل الدولة من البلد الذي يقيم فيه إلى تركيا ومن تركيا إلى بلده بعد إنتهاء الدراسة بشكل نهائي. يحصل الطالب على إقامة طالب طول مدة الدراسة مدفوعة من قبل الدولة. توفر الدولة للطالب السكن المجاني طول فترة الدراسة مع مصاريف السكن. تقدم الدولة للطالب تأمين صحي مجاني طول فترة الدراسة. يحصل الطلاب المقبولين فى المنحة على سنة كاملة لدراسة اللغة التركية دون أي رسوم، مع العلم أن الطلاب الملتحقين بالدراسة بلغة أخرى ( غير اللغة التركية ) يتوجب عليهم حضور السنة الكاملة لتعلم اللغة التركية أيضاً، وسيحصل الطلاب المقبولين فى المنحة على بطاقة تمنحهم حق التنقل، بسعر مدعوم من الدولة مخفض جدا . الأوراق المطلوبة : شهادة المؤهل التعليمي: شهادة الثانوية للمتقدمين للبكالوريوس, أو شهادة الجامعة للمتقدمين للماجستير, أو شهادة الجامعة والماجستير للمتقدمين للدكتوراه. في حال لم تكن شهادة التخرج جاهزة أو تبقى على تخرج المتقدم عدة أشهر, فيمكن تقديم إفادة رسمية مختومة تفيد بذلك ترفع إلى الموقع عوضًا عًن شهادة التخرج. كشف الدرجات التعليمي يوضح درجات الطالب في المواد بالنسبة لخرجيي الثانوية هو نفسه شهادة الثانوية، وبالنسبه لخرجيي الجامعة والماجستير فهو الكشف التفصيلي لدرجات المواد خلال سنوات الدراسة. رسالة توصية واحدة أو اكثر من مدرس أو مدير في العمل أو من مؤسسة، وترفع رسالة التوصية إلى الموقع بالإضافة إلى ضرورة إدخال البريد الإلكتروني للشخص الكاتب للتوصية, حيث ستصل إليه رسالة تطلب منه التأكيد بأنه الشخص الذي قام بكتابة التوصية . وثيقة إثبات هوية كجواز سفر أو بطاقة شخصية أو شهادة ميلاد أو رقم جلوس. صورة شخصية حديثة واضحة. ترجمة كافة الأوراق ( بعد تلقي رسالة القبول وتحديد موعد المقابلة ) وثائق مطلوبة لبعض الجامعات أو التخصصات فقط 1) شهادة امتحان معتمد للغة الإنجليزية, في حال كانت الجامعة التي تم اختيارها تطلب شهادة اللغة الشهادات المعتمدة هي شهادة التوفل TOEFL تكن شهادة اللغة متوفرة اثناء التقديم, فيجب تجهيزها حتى موعد المقابلة. 2 ) شهادة امتحان كفاءة أو مهارات معتمد, في حال كانت الجامعة التي تم اختيارها تتطلب ذلك. تطلب هذه الشهادة GMAT أو GRE وفي الغالب للطلاب المتقدمين للدراسات العليا, كشهادة امتحان، في حال كانت الشهادة المطلوبة غير متوفرة أثناء فترة التقديم, فيجب تجهيزها حتى موعد المقابلة. شهادات خبرة في أعمال سابقة انتظم فيها المتقدم. شهادات مشاركة في دورات تدريب أو تأهيل أو ندوات. شهادات تكريم في أي مجال . شهادات مشاركة في أنشطة تطوعية خدمية . أي شهادة أو وثيقة أو جائزة أخرى حصل عليها المتقدم سوى في المدرسة أو العمل . المعدلات المطلوبة درجة البكالوريوس: يجب أن لا يقل المجموع عن 70% يجب ان لا يقل مجموع الطلاب الراغبين في دراسة الطب عن 90% درجة الماجستير والدكتوراه:% يجب ان لا يقل المجموع عن 75% للتقديم اضغط هنا : https://tbbs.turkiyeburslari.gov.tr/ ملحوظة : بإمكانكم إستخدام الرابط في الأعلى للتقديم للمنحة.

656 .6 K

الثورة السودانية ومعنى الكرامة

الثورة السودانية ومعنى الكرامة حسان الناصر باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا – علم الإجتماع والأنثربولوجيا مقدمة يبدو أن الربيع العربي الذي إنطلقت شرارته من تونس( بثورة الياسمين ) ما زالت إمتداداته مشتعلة حتى يومنا هذا ، لم تنضب بعد ينابيع الحرية التي إنطلقت أصواتها في أرياف تونس ومدنها ، وها نحن مرة أخرى نشهد فجراً جديداً من فصول الكرامة و الحرية التي تشهدها المنطقة بثورة سودانية من أرض النيلين ، وهو دليل على تعافي الشعوب العربية من براثن الخوف وتحطيم قلاع الشمولية . فالثورة السودانية التي تفجرت من أريافه البعيدة و شهدت مشاركة واسعة لأطياف المجتمع التي كانت بعيدة كل البعد عن مسرح الحياة السياسية وتمثل ذلك في طبيعة الحراك الذي إمتدت طوال عشرة أشهر لنشهد سقوط النظام البشير في الحادي عشر من أبريل بعد أن وصلت المشاركة الشعبية أوجها ، بوصول الثوار الى ساحة القيادة العامة مما جعل الجيش ينحاز الى خيار الشعب ، في تقاليد ليست بجديدة على القوات المسلحة السودانية وإن كانت ظروفه وعوامله مختلفة هذه المرة وموازين القوى فيه متبدلة ومتغيرة عن الانحياز الذي حدث في ثورة 1985 م التي إنحاز فيها الجيش لخيار الجماهير التي خرجت في وجه نظام المشير جعفر نميري ومن قبلها أيضا ثورة أكتوبر من العام 1964 م والتي أذعن فيها الفريق عبود لخيار الشعب ، لذلك من الصعب اللولوج الى مسارات هذه الثورة من مدخل معين ومن تعاريف محددة . بصفتي باحثاً في العلوم الاجتماعية فمن الصعب على الأكاديمي أن يضع تعريفات معينة ومحددة للثورة و عوامل انطلاقها وتراكماتها وماحدث فيها والحجرعليها مغبشا بذلك الواقع ، وإنما عليه طرح الأسئلة و التوسع فيها ، هي مهمة الباحث التي أرى أن تكون نصب عينه لا قولبة المفاهيم ومحاولة تركيب الواقع داخلها ، بهذا تكون الظاهرة هي مركز البحث لا ذاتية الباحث أو توجهات إنها عملية تحرر كاملة وهو ما أحاول جاهدا فعله في هذه الورقة ، فمهمتي التي سأقوم بها هي ليست معالجة وإنما كشف وإستقصاء لمفهوم الكرامة وتجلياته في الثورة السودانية ، مستعرضا بذلك المجتمع السوداني وطبيعة تركيبه الاجتماعية ومن ثم فحص الثورة و الفاعلين فيها ومقاربات أضعها بين الثورة السودانية و غيرها من الثورات التي إنطلقت وسميت بالربيع العربي . لصعوبة ضبط مفهوم الثورة ، فإنني أستخدم عوضا عنه مفهوم ( المسار الثوري ) ، فالثورة إن تناولنا مفهومها نجد أن لكل منهج أو أيدولوجيا تعريف مختلف عن الآخر حسب قواعد المنهج و تأطيراته النظرية ، مما يغيب شئ من الواقع ويخفي أشياء قد تكون مهمة ومركزية من ناحية أخرى لذلك ليست الفكرة بإنتصار للمفهوم وهل هي ثورة أم لا؟ وإنما هو محاولة للإنفتاح إتجاه تشكلات مختلفة للثورة وخصوصا في بلد متنوع ومتعدد مثل السودان إختلفت فيه أشكال التعبير السلمي عن الثورة ، وأصبحت كل مدينة من مدنه التي إنتفضت لها طريقتها الخاصة في التعبير وشكل ( مسار ثوري ) مختلف بدرجات متفاوتة عن بقية المدن . إذن (فالمساور الثوري ) هو الشكل الذي إتخذه الفاعلون في التعبيرعن مناهضتهم للظلم و القهر ، وعبروا به عن رفضهم للنظام الحاكم (نظام الإنقاذ) وممارساته إتجاه المجتمعات السودانية المتعددة ، بالاضافة الى هذا يشمل المسار الثوري التشكلات الاجتماعية و الأدوات التي إستخدمها الفاعلون في الحراك لمواجهة القمع وسوء المعاملة ، وبالتأكيد يشمل المسار الثوري أيضا الشعارات التي رفعت منذ بداية الثورة ، ومنها يمكن أن ننظر الى الثورة كما ينظر الباحثون الجيلوجيون الى مقياس رختر ليس هناك لحظة معينة لها وإنما هى ذبذبات متواصلة تنقطع حينا وتختفي حينا وتتواصل أحيانا ، وهو ما ذهب اليه فؤاد طرابلسي في كتابه ثورات بلا ثوار " أن الثورات العربية هي سلسلة الإنتفاضات الشعبية غير المتوقعة و العفوية إلى أبعد حد " ويذهب أيضا مولدي الأحمر في كتاباته حول الثورة التونسية هذا المنحى أيضا ، "ليس هناك مفهوم واحد للثورة بل عدة مفاهيم، و هي تختلف بحسب طبيعة الظاهرة و سياقها و أهدافها و إطارها الزمني و محيطها الثقافي وبحسب المعنى الذي يعطيه لها أصحابها أو حتى من يتكلم عنها. فالثورة بمعناها الاجتماعي تتجاوز بكثير الأحداث المؤطرة في زمان و مكان محددين" إذن إن هذا المفهوم (المساري الثوري ) ليس بشئ أبتدعه بالمنحى الذي سلكه العديد من الباحثيين لفهم طبيعة الثورات العربية والثورات التي تدور رحاها في المنطقة عموما . وقد يكون إستخدام هذا المفهوم وفقا لطبيعة الفاعلين في الثورة ، فهم ليسوا جحافل العمال الذين خرجوا من مصانع وبيوت البلوتاريا أو تلك النخبة التي خرجت من المؤسسات السياسية و الأكاديمية توزع المنشورات في الطرقات وتهتف إن كان لها دورا في الحراك. إلا أننا يصعب علينا تسمية الفاعليين بصورة مطلقة ونقول أن هذه هي الجهة التي قامت على أكتافها الثورة وهي ميزة هذه الثورات التي كان الفاعل فيها هو من خارج تلك الحدود التي كانت السلطة تلتفت إليهم كلما إرتفعت أصوات الشارع بالرفض و المناهضة . من هم الفاعلون الجدد ؟ يظهر جليا من خلال حركة المسار الثوري منذ إندلاع الحراك في ديسمبر من العام 2018م أن طبيعة هذه الثورة مختلفة عن الثورات السابقة في السودان هذا الإختلاف يكمن في طبيعة الفئات التي شاركت في الثورة وفي صنع أحداثها ، فإندلاع أول حراك حدث خارج حدود العاصمة ، تلك المساحة التي شكلت الوعي السياسي منذ الحركة الوطنية وما تلته من ثورات ، حتى اخر حراك سياسي حدث في عام 2013م في إنتفاضة سبتمبر ، بالاضافة الى إنتقال الثورة مدن السودان المختلفة قبل وصولها للخرطوم ، فالمسار الثوري قد إتخذ منحا مختلفا منذ بدايته بالاضافة الى أن الحراك في الأقاليم حطم من رمزية السلطة بعد أن قام الثوار (الفاعليين ) بحرق دور المؤتمر الوطني ، وإقتحام مراكز جهاز الأمن كسرت بذلك رمزية السلطة وأعلن الفاعلون الجدد هذه المرة سقوط نظام المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم ) ، ويظهر لنا أن هؤلاء الفاعلون هم الفئات التي كانت بعيدة عن الساحة السياسية ، من طلاب وشباب عاطل عن العمل ،بالاضافة الى الشابات اللائي شكلن ملاحم بطولية جنبا الى جنب مع رصفاءهن من الشباب فكان لقب (كنداكة ) هي السمة التي وصفن بها ، وهو لقب أحيته الثورة ويطلق على حاكمات الممالك القديمة للسودان ، وكانت هذه الفئة بعيدة كل البعد عن الحراك السياسي . فالحراك السياسي الذي كان يتبناه الساسة هو خيار المهادنة أحيانا في ظل القبضة الأمنية و العسكرية التي كان نظام المؤتمر الوطني يطوق بها الفضاء السياسي ، الأمر الذي دعى بعض الأحزاب السياسية الى طرح سؤال (الانتخابات ) بعد مقاطعتهم للصناديق في الانتخابات الثلاثة السابقة ، وحدث هذا قبل الثورة بأقل من شهر ، إذن ما يمكن قوله أن هؤلاء الفاعليين الجدد تميزوا بأنهم من خارج الأطر السياسية ،بالاضافة الى أنهم من خارج المناطق التي يتراكم فيها الوعي و توجد فيها تشكلات سياسية تسمح لهذه الفئات بالمشاركة السياسية ونمو وعيهم بالمشاكل التي تحيط بهم من جراء ممارسات النظام القهرية و القمعية وإنما كسروا حواجز لم تكن في إدراكهم أو تصورهم السياسي ، بل شكلت لهم المسار الثوري روح تحدي كسروا بها هذه الحواجز ويظهر هذا جليا في إحتفاءهم بالمواكب الثورية التي كانت تخرج من قلب الأحياء الى الشوراع و الطرقات . إذن يبرز السؤال الأساسي الذي يمكن عبره أن نوجد صيغة تكشف لنا وتفحص موقع الفاعلين في الاطار السياسي القديم ، وأقول القديم لأن المسار الثوري قد أعاد ترتيب الخارطة السياسية بدخول فئات جديدة من المجتمع تشكلت عبر طول الحراك الذي عاشه المساري الثوري الذي ما زالت تدور رحاه حتى يومنا هذا . ماهو شكل الاطار السياسي القديم ؟ تمثل الأحزاب السياسية قوام هذا الاطار الذي تدور فيه مجموعة أخرى من السياسين بشقهم المدني و العسكري (الحركات المسلحة) ، وتعتبر جميع الأحزاب السياسية هي إمتداد للحركة الوطنية سواء أكانت أحزاب طائفية أو عقائدية او أحزاب ذات توجه ماركسي ، تمتاز هذه الأحزاب السياسية بالترهل و النمطية بالإضافة الى سيطرة الهياكل العليا على القرارت وعلى تسيير مسار الحزب وشؤونه الداخلية وعلى كافة القرارت الحزبية ، مما جعل الفاعلون الجدد يفقدون ثقتهم في هذه المنظمات االسياسية التي لحقت بالثورة بعد أن إنطلقت . رغم اختلاف الرواة علي تسميتها ومواعيد انطلاقها هو للعديد ممن كانوا يخرجون الي الطرقات مستقبلين القادم من الاحلام بالرصاص والهراوات ليس مهما واعني بأنه ليس مهما في اطار التنازع بالنسبة لهم لانه لن يعني لهم اليوم اي امر مهم كما كان يهم النخبة السياسية القديمة ، فالاختلاف علي الرمزيات والتواريخ لطالما كان ديدن النخبة السياسية في السودان واهتموا بسرد الحدث وكتابته اكثر من صناعته بصورة حقيقية وفاعلة فمثلا اختلاف اليمين واليسار علي الانتفاضتين السابقتين خير مثال وحتي علي رمزية الشهداء ، فتناطح اليمين واليسار علي (القرشي ) كل ينسب انتماءه له ، لذلك اولى الملاحظات التي يمكن ان نقول ساعدت في نجاح هذه الثورة هو ( التجاوز ) والتجاوز الذي انتجته الثورة هنا ليس تجاوز للسياسة وانما تجاوز للنظرية السياسية في السودان والتي اظنها قد ولدت بشكلها الحالي منذ عام 1924 بعد ثورة اللواءالابيض وصعود المهدية الجديدة "علي المسرح السياسي بزعامة عبد الرحمن المهدي الذي أصبح من كبار رجال المال والاعمال وملاك الاراضي بالسودان ، وذلك بحصوله علي المعونات المالية والقروض والمنح فكانت المهدية الجديدة وليدة نفوذ الشخصي وثراءه وقوة شخصيته وامتزج نفوذه القبلي والمالي" وليس عبد الرحمن وحده من دخل بنفوذه الديني والطائفي الي الساحة السياسية في السودان بل عمدت الادارة البريطانية انذاك الي التعاون مع جميع زعماء القبائل والعشائر . فشكل تحالف الزعيم الاهلي والمثقف ملامح تلك الفترة وسمح للقبيلة والطائفة ان تعيد انتاج نفسها بصورة جديدة تمفصلت داخل البنى الحديثة لمؤسسات الدولة وداخل الفضاء العمومي وتسيطر عليه تماما. ان هذا المشهد الذي شكل بعد اربعة وعشرون هو الذي رسم وصور المشاهد السياسية المتعاقبة فيما بعد، وهو الشكل الذي لم تنجوا منه حتي الاحزاب الحديثة بوقوعها في ذات الشروط التي فرضتها النظرية السياسية فاستبدلت الزعيم الاهلي بضباط الجيش وهو العقم الذي مازال باقيا ليس للسودان وحسب وانما لدول افريقيا عموما وللدول المجاورة للسودان. ان هذه الشروط مرتبطة بشروط السلطة نفسها وخطاب السلطة ، ففي الفضاء الازرق ( فيس بوك ) وجد الفاعلون الجدد ضالتهم في الخروج عن انساق السلطة وبنيتها التي فرضت منذ تأسيس الدولة السودانية فلامحظور هناك او هوية مرتبطة بالابعاد الاجتماعية ، هناك حيث تصاغ الهويات المتعددة المنفصلة عن حمولات مرهقة وشكلية محجوزة ضمن اطر اسرية وتعليمية قاسية فتشكلت ملامح جيل (رافض) للحجز والحجب وباتت التساؤلات مكشوفة امام الجميع ولم يعد سؤال (البديل ) رهينا للكبت فتفككت داخل المنشورات التي ترسل في كل دقيقة سلطة النظام وسلطة الأسرة وبات الجميع في مرمى السخرية والنقد لماذا لم تنتبه السلطة والنظام الرقيب لهذا الاداة الفاعلة ؟ وتوقفها لانها رهينة للنظرية التي افرزتها، النظرية التي غيبت الواقع وحجبت الرؤية تماما عن تغيرات الواقع التي هي ليست تغيرات عمرية فقط وانما تغيرات مرهونة بواقع عالمي متفتح ومتحرك بصورة سريعة، وهي السمة الاساسية التي يتعامل بها شباب الفيس بوك والواتساب وغيرها من التطبيقات الذكية التي جعلت من سرعة الواقع متزايدة بصورة كبيرة مما سمح بتشكيل واقعاسفيري تتخذ فيه الاراء بصورة سريعة ويتجسد ذلك في لحظات كثيرة من عمر المسار الثوري حينما يدعوا الناس للخروج للشوارع فتستجب تلك الجموع في لحظات. ماهو الدور الذي لعبته مواقع التواصل الإجتماعي ؟ تميز المسار الثوري في حراكه عن بقية الأشكال السياسية في الفترات السابقة بتوظيفه للفضاء الإسفيري في ويظهر هذا في المنصة التي إتخذها تجمع المهنيين السودانيين عبر صفحته التي كانت منصة وحدت الحراك الثوري ولعبت دورا مهما ، والغريب في هذه التجربة أن التجمع هو الجسم الموازي للنقابات التي كانت تحت يد السلطة ، ولم يكن للتجمع دور سياسي سابق سوى دعوة أطلقها قبل إندلاع الحراك بأيام من أجل مذكرة للبرلمان من أجل رفع الحد الأدنى للأجور ، ولم يقوم التجمع بالدور الذي قامت به النقابات في الانتفاضات السابقة في تاريخ السودان ، ولكن قام بدور آخر أي بوظيفة أخرى وحل محل القوى السياسية التي فقد فيها الفاعلون الجدد الثقة ، وذلك كله عبر صفحة في ( فيس بوك ) ، لذلك يمكن لنا أن نقول : بأن مواقع التواصل الإجتماعي لعبت دورا مهما في الحراك والمسار الثوري . المساور الثوري هو الشكل الذي إتخذه الفاعلون في التعبيرعن مناهضتهم للظلم و القهر ، وعبروا به عن رفضهم للنظام الحاكم (نظام الإنقاذ) وممارساته إتجاه المجتمعات السودانية المتعددة اهم ما قام به الحراك عبر وسائل التواصل الاجتماعية هو اعادة تشكيل الذات التي لعبت الدولة علي تشكيلها علي مر الثلاثين سنة الماضية عبر برامج التعليم و الوسائل التي تمتلكها السلطة فسيطرت علي عملية التفكير كأولى المراحل التي يمكن له عبرها التسلل الي داخل كل فرد كما يتسلل الماء عبر فجاج الصخر ،ومحاصرة عملية التفكير هي مهمة نظام التعليم "الذي هو علي علاقة معقدة بنظم اخرى ومقولات في غاية القوة مثل : التربية ، الاسرة ، المجتمع ....الخ ." بما أن نظام التعليم في الثلاثين سنة الماضية قد أخذ مفهوم الرقيب علي عقول المواطنين وأفقدهم زاتهم التي من خلالها قد يعبرون عن (رفضهم) اتجاه ممارسات النظام عليهم ، ويرز السؤال الذي قد يكون بسيط في ظاهره معقدا في التفكير حوله (كيف استطاع هؤلاء الشباب الهروب من شرك السلطة اتجاه ذواتهم ؟) يمكن لهذا السؤال ان يتم الاجابة عليه في مجلدات آلاف الكلمات ولكني سأقوم في اختصارها بكلمة واحدة (الخيال) "بقوة الخيال فقط ، استطاع نظام التفكير أن ينفلت مرات من ربقة السيطرة المطلقة للنظام " أتاح الفضاء الأزرق الهروب لهذا الجيل بخيالهم نحو فضاء لم يكن أن يظهر لولا تلك المساحة الاسفيرية ، فالمبادرات الفردية و الجماعية التي تنفذ وجدت حظها الوافر في المتابعة و التفاعل . هل فعلا كانت ثورة من أجل الكرامة ؟ المتابع للمسار الثوري منذ انتفاضة سيتمبر 2013م يرى أن هناك بلورة للفعل المقاوم للسلطة ، ففي سبتمبر خرجت مدينة الخرطوم في أولى المظاهرات التي تلت قرارات الحكومة برفع الدعم عن المحروقات الا أنها أحكمت قبتضها الأمنية و البوليسية على الحراك مما أخمده في أقل من اسبوع ، وخرجت التصريحات النارية من قادة النظام بصورة جعلت من الشعب السودان يستاء بصورة كبيرة وأشرها مقولة (لحس الكوع ) التي صرح بها نافع علي نافع القيادي في المؤتمر الوطني ، وكعادة المجتمع السوداني الذي يستند في موروثه علي التركيبة الإجتماعية القبلية ، وجدت هذه المقولة وقع السيف في أنفس السودانيين هذا بالاضافة مقولة على عثمان الشهيرة التي وصفت الفاعليين في الحراك بأنهم شذاذ آفاق مما أساء للروح السودانية التي تستهجن مثل هذه الاساءات وتعرف هذه المقولات بإسم (الحقارة ) وهي لفظة تطلق على الاساءة ، الأمر الذي وسع من المشاركة الشعبية في هذا الحراك فظهرت روح التحدي و القبطة من جراء مثل تلك المقولات ، بالاضافة الى أن النظام كان ينتهك من كرامتهم عبر الاذلال في فصفوف الخبز و البنزين و الى المعاناة اليومية ، وخصوصا أن النظام في أيامه الأخيرة قد أقام مؤتمرا للحركة الاسلامية السودانية كلفته مئة مليار جنيه ، في حين أن أزمة الخبز قد وصلت حدها فلم يجد الأباء ما يسدون يه حاجة أسرهم وإزداد الذل عندما كان النظام يتنعم بخيرات الشعب وغابت السيولة النقدية عن البنوك فوقف الناس بالصفوف وصارو يتزاحمون على الصرافات من أجل حقهم الأمر الذي أجمع عليه جميع الناس أن ما هذا سوى (ذل) من قبل مؤسسات النظام للمواطن . بالاضافة الى توحش النظام وتغوله الذي بدأ منذ مجيئه على ظهر انقلاب عسكري بدأ واضحا الانحياز الايدولوجي ضد من هو خارج الدائرة التي من خلالها عرف (الدولة والمواطن ) حيثعمل النظام على وضع تعريف معين للمواطن وخلق تراتبية تفكك كلما زادت عليه الضائقة المالية بإنتشار فساد أعضاءه ، فنالت المجموعات الاثنية التي تعيش في مختلف أطراف السودان من ويلات النظام ، بذلك إنتقلت حمى التهميش و الاقصاء و القهر الى قلب العاصمة فتكون نظرة مختلفة إتجاه النظام وممارسات الذل ، وبنفس الخطاب الذي كان يستخدمه (البشير ) رأس النظام ، خرجت الحشود لتعبر عن رفضها الكامل له ، (فبلادي سهول بلادي حقول ) المقولة التي ظل الرئيس يتغنى بها أمام الحشود في لقاءاته ، ما كانت الا جرعات سرعان ما إنقلبت ضده ، فخرج عليهم إبان الحراك ليزيد من سخط الشارع عليه أثناء ما كانت قوات الامن تقتحم المنازل وتروع الامهات وتنتهك حرمات البيوت ، الفعل الذي وجد إستنكارا كبيرا ، وكأن النظام قد تحلل من قيم المجتمع وأعرافه التي ترفض أن تنتهك الحرمات ، فقال بأننا : شعب يكرم الضيف ويغيث الملهوف ويحفظ الجوار ، فتحركت عزائم السودانيين من أجل تحقيق هذه المقولة التي إنقلبت ضد نظام الانقاذ من أجل حفظ كرامتها ، هذا كما شكل قتل الشباب دافعا قويا من أجل اسقاط نظام الانقاذ ، لأن قتل العزل لم يكن من شيمهم أو عاداتهم التي يتغنون بها ويحتفون بها أمام شعوب العالم ، فالسوداني تظل القيم عنده خط أحمر ، يمكن أن يفقد روحه وماله من أجل المحافظة عليها ، وساعد إنتشار تلك المقاطع التي كانت تصور عناصر الأمن وهي تقتحم البيوت عاملا محفزا أدى الى أن تتحدى الموت وتصل الى القيادة العامة ، التي كانت أغاني الحماسة و الفروسية تمثل درعا إحتمى الفاعلون به عندما كانت قوات الامن تهاجمهم قبل سقوط النظام ثلاثة أيام ممتتالية ، حيث كان صغار الضباط يتمردون على رؤساهم ويطلقون النار على قوات الأمن ، فإشارة الى القيم التى يح��لونها ويدافعون عنها . ذات الجيش الذي سبه السودانيون عندما فض الاعتصام لأنه لم يقم بحماية من كانو في ساحة الاعتصام وكأنه تنصل عن قيمهم التي أكبروها فيهم عندما كانو يدافعون عنهم . إن هذه الحالة هي شبيه تماما بحالة الثورة المهدية التي خرجت على المستعمر التركي ، الذي جاء بشكل الدولة الحديثة ، فكون نموذجا للدولة يقوم على الضرائب التي فرضت بالقوة على صغار التجار و المزارعين وهمش مراكز القوة التقليدية داخل المجتمع ، فعمل على فرض الجبايات وانتشرت المحسوبية ، وشعر السودانيين بالإهانة الشديدة وخصوصا أن المستعمر التركي لم يحترم المجتمع ولارموزه أو قيمه الاجتماعية ، كانت هذه هي أحد الأسباب التي دعت الامام محمد أحمد المهدي الى الثورة المهدية التي لم تكن على حد قول المؤرخ محمد سعيد القدال : أنها ثورة إستعاد بها السودانيون كرامتهم التي إنتهكها الاستعمار التركي . المدنية واستعادة الكرامة بعد التوقيع على الاتفاق الدستوري بين قوى اعلان الحرية و التغيير والمجلس العسكري خرجت الجموع التي أسقطت النظام المؤتمر الوطني ، فرحة بهذا الانتصار ، رسم التوقيع على الاتفاق الدستوري ملامح لكرامة ظل السودانيون يبحثون عنها طوال ثلاثين عاما ، المدنية التى تخلقت في أذهانهم أنه لا عودة لحكم عسكري الحكم الذي ظل يقهرهم دون رحمة أو يتونى في إذلالهم ، وهي سمة تحملها المؤسسة العسكرية لذلك كانت المدنية هي الطريق الوحيد الذي سلكه السودانيون من أجل حريتهم وكرامتهم و إحقاق العدالة ، تلك الشعارات التي رفعها الفاعلون أثناء الثورة . يعلم السودانيون أن المدنية الكاملة للدولة لا تحقق الا بديمقراطية كاملة وسلام يوقف نزاعات طال أمدها ، الديمقراطية التي غابت عن أجيال طويلة لمدة ثلاث عقود ، لذلك جنح السودانيون الى كرامتهم ، والحالة التي يعيشونها الان ماهو الا شعور بإسترداد كرامتهم ، والثمن الغالي الذي دفعوه من تضحيات من أجل إسترداد هذا الحق في العيش الكريم . المراجع و المصادر 1. حيدر إبراهيم علي ، السودان الوطن المضيع، القاهرة :جزيرة الورد ، 2011 القدال. 2. تاريخ السودان الحديث ، الخرطوم : مركز عبد الكريم مرغني ، الطبعة الثانية ، 2002 مجموعة مؤلفين . 3. الثورة التونسية، القادح المحلي تحت مجهر العلوم الانسانية ، الدوحة : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ،2014 فوازالطرابلسي. 4. ثورات بلا ثوار: رياض الريس للكتب ، الطبعة الثانية 2014 قاسم عثمان النور. 5. اضواء علي الحركة الوطنية السودانية ، الخرطوم ، وزارة الثقافة الخرطوم ، 2004 محفوظ بشرى . 6. تأملات في العمل والسلطة ،الخرطوم : مشروع الفكر الديمقراطي ، يونيو 2016

618 .3 K

اقتصاديات القطاع الزراعي في السودان

اقتصاديات القطاع الزراعي في السودان محمد أحمد كرم الله مدون و باحث ثمة عناصر إنتاجية تمثل الأساس او حجر الزاوية بالنسبة لكل نشاط إنتاجي و هي ( الموارد ، رأس المال ، قوة العمل ) كما أنه من المعلوم انه ثمة استراتيجيات مختلفة تتبعها الدول لتمنية هذه العناصر ، و ذلك عبر محاولات السيطرة المستمرة على الطبيعة و حماية البيئة بجعلها مستدامة و ترشيد الهرم السكاني بالإضافة للاساليب المختلفة في إستقطاب رؤوس الأموال و بالنظر للوحدات الانتاجية الزراعية في السودان ، نجده غنياً و متعدد الموارد ، هذا بالإضافة إلى كون السودان لا يعاني نقصاً في العمالة الزراعية بالحد المخيف مع الاخذ في الاعتبار بأن اعداد العمال الزراعيين هي في الواقع في حالة تراجع مستمر و ذلك بسبب الظروف الانسانية السيئة التي يعملون فيها و هو أمر يقود في نهاية المطاف الي الهجرة من مناطق الإنتاج الي المدن بحثاً عن سبل افضل للحياة الكريمة انه و لتقييم عمل اي قطاع إنتاجي سواء كان زراعياً او غيره ينبغي تحليل العناصر الإنتاجية سالفة الذكر و العمل على تطويرها بصورة دائمة كما أنه ثمة اقتصاديات كلية بعينها قد تكون هي الأصلح و الاجدى من غيرها وفقاً لخصوصية المنطقة المعينة و العادات الانتاجية المتبعة فيها. فالحقيقة التي لا غموض فيها هي أن القطاع الرزاعي السوداني يعيش في حالة خاصة لا يمكن وصمها بأنها ضمن اقتصاديات الحداثة المتبعة في الدولة المتقدمة كما أنه من المخل ان يوصم القطاع الزراعي على أنه قطاع ماقبل رأسمالي فهو يخضع لسياسات العولمة الدولية و يقوم على العمل الماجور في سواده الأعظم كما أن قوى العرض و الطلب في البورصات المحلية هي التي تعمل على تحديد الأسعار و بذلك نرفض التوصيفات الأكاديمية الجامدة التي لا تتفاعل مع واقع العملية الاقتصادية السائدة و ما يترتب عليها من محاولات تأويل و ملاحقة للواقع بالنصوص التي لم تنتج اصلا في سياق السودان و علاقات الإنتاج الخاصة به و هو سلوك اكاديمي اتبعه بعض الباحثين السودانيين ، سواء في المستويات التحليلية للمشكلات او في وضع الخطط و الاستراتيجيات تعج الدراسات السودانية بالكثير من العمليات الاحصائية للوحدات الانتاجية الزراعية الكائنة فعليا و كذلك بالابحاث عن الوحدات ممكنة النمو مع تمحيص الفرص و المهددات و هي أغراض بحثية على أهميتها تقع خارج سياق تسليط الضوء الذي يعمل المقال عليه و هو كيف يساهم القطاع الزراعي في عملية التنمية مع مناقشة لبعض الطرق و الوسائل التي نراها ضرورية لعملية التنمية الاقتصادية الحمائية على المنتجات الزراعية، يقصد بالحمائية على المنتجات الزراعية إتباع الدولة لمجموعة من السياسات الاقتصادية التي تعمل على حماية المنتجين المحليين من قوى السوق المعولمة و شروط المنافسة غير المتكافئة، غير أن هذه الحماية تكون نوعاً من العزلة عن العالم و حصار على الموردين و التجار مالم تحدد بسقف زمني معلوم ينبغي أن تنجز الدولة خلاله رفقة المنتجين المحليين قفزات في القطاع الزراعي بما يجعله مؤهلاً للمنافسة عالمياً اي أن الحماية تقدم مقابل الكفاءة المتوقعة و لا تكون مستمرة لفترات طويلة جداً الا في حالات نادرة بوصفها أداة لمكافحة الفقر لدى بعض المنتجين غير القابلين للمنافسة عالمياً حتى بعد فترات زمنية و هنا يقع على عاتق الدولة حماية نمط الإنتاج الخاص بهم و العمل على البحث عن أنماط جديدة بما يسهم في عملية النمو الاقتصادي و الرعاية الاجتماعية معاً سياسة البيع العادل بحيث تقوم الدولة برعاية المنتجات الزراعية المحلية و تعمل على تسهيل عملية البيع من صغار المزارعين الي السوق العالمي ، اي ان الدولة تساهم في خفض مستويات العرض بالنسبة للبورصات المحلية في مقابل البورصات العالمية و يترتب على ذلك عائد أكبر بالنسبة للمزارعين و حصولهم على عملات صعبة بما يسهم في تراكم رؤوس الأموال لدى المنتجين و بالتالي تصبح إمكاناتهم الاستثمارية أفضل و يكون في مقدورهم جلب الأصول الزراعية الحديثة و الاستفادة من التقنيات العصرية ، و هو أمر في مجمله يساهم في زيادة النمو الاقتصادي و رفع مستويات الدخل بما يجعل من القطاع الزراعي جاذباً للإستثمار. بالإضافة إلى كونه يمثل عاملاً مهما في كسر دوائر الدخل المفرغة التي تؤثر بصورة واضحة على كفاءة القطاع الزراعي في السودان تحديد مسارات الرعي و الرقابة عليها تعتبر مشكلة المرعى في السودان واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه القطاع الزراعي ، و قد تتعدى المشكلة في بعض تجلياتها الإطار الاقتصادي لتصبح ذات جوانب إجتماعية في حال نشوب النزاعات ما بين الرعاة و المزارعين و هي نزاعات غالباً ما تأخذ مناحي عرقية بحكم تركيبة مجتمعات المزارعين و الرعاة في مختلف ارجاء السودان ، و بالتالي يتحول المنتجين المفترضين الي مقاتلين و متنازعين حول المرعى او حول الهوية ( مجتمع رعاة / مجتمع مزارعين ) اياً كانت قبائلهم بحيث يصبح الانتماء الي الطرف الآخر سبباً كافي للإقتتال . أن القطاع الرزاعي السوداني يعيش في حالة خاصة لا يمكن وصمها بأنها ضمن اقتصاديات الحداثة المتبعة في الدولة المتقدمة كما أنه من المخل ان يوصم القطاع الزراعي على أنه قطاع ماقبل رأسمالي فهو يخضع لسياسات العولمة الدولية و يقوم على العمل الماجور في سواده الأعظم كما أن قوى العرض و الطلب في البورصات المحلية هي التي تعمل على تحديد الأسعار و بذلك نرفض التوصيفات الأكاديمية الجامدة التي لا تتفاعل مع واقع العملية الاقتصادية السائدة و ما يترتب عليها من محاولات تأويل و ملاحقة للواقع بالنصوص التي لم تنتج اصلا في سياق السودان و علاقات الإنتاج الخاصه به وكذلك يترتب على سوء الرقابة على مسارات الرعي خسائر مالية ضخمة جداً ، بحيث لا يجد المزارع الذي يقوم بعمليات إنتاجية زراعية عائداً يوازي تكاليف الإنتاج و يحدث ذلك غالباً بسبب إتلاف المواشي للمحاصيل الزراعية و هو أمر يجعل من القطاع الزراعي برمته قطاعاً انتاجياً غير جاذب للعمل فيه لما يتحوي عليه من مخاطر إستثمارية سواء كان النشاط المستهدف بالنسبة للمستثمر هو الرعي او الزراعة ، علماً بأن الرعي بالإضافة للزراعة المروية و المطرية يشكلون السواد الأعظم من مجمل الأنشطة الانتاجية في القطاع الزراعي في السودان تحسين صيغ التمويل الزراعي من المفارقات المدهشة نجد أن الغالبية العظمى من الوحدات الانتاجية الزراعية هي خارج نطاق تمويل البنك الزراعي السوداني و هو الواجهة الحكومية في الإشراف على النشاط الزراعي من الناحية المصرفية ، و قد كان لهذا الغياب دوره بحيث نشأة علاقات تمويل ما بين المواطنين خصوصاً في مناطق الري المطري و هي علاقات قائمة على الطفيلية أكثر من أي شي آخر . أما المعضلة الحقيقية فقد تمثلت بتبني البنك الزراعي لهذه الصيغ التمويلة السائدة بين المواطنين مع بعض التحسينات خصوصاً فيما يتعلق بصيغة السَلم تحديداً ، و السلم هو أن يقوم البنك أو شخص بشراء المحصول قبل إكتمال جميع العمليات الانتاجية و ذلك بغرض تمويل المزارع ، و غالبا ما يتم شراء المحاصيل قبل إنتاجها بأبخس الأثمان و هو أمر يضر بالمنتجين ايما ضرر بل عله قد يرسم مفترق الطرق ما بين الكثير من المزارعين و النشاط الزراعي و بدلاً من صيغ التمويل السائدة نقترح أن تقوم الدولة بتمويل الأنشطة الزراعية مقابل الأمن الغذائي المترتب على هذه الأنشطة مع هوامش ربح ليست بالمرتفعة في البورصات المحلية و هو ما سيجلب بدوره العشرات من المنتجين المترقعين الي القطاع الزراعي مع الحفاظ على ضريبة ا��عشرة في المئة او الزكاة ، بالإضافة إلى دخول الدولة لهذه البورصات المحلية بإعتبارها أكبر مشتري و بذلك تضلع الدولة في تحديد الأسعار المحلية و هو أمر يجعل الدولة قاب قوسين او أدنى من دخول البورصات العالمية بثقل الإنتاج المحلي و هو أمر يحبذ ان يتم الإقبال عليه رفقة إتحادات المنتجين الدولية المختلفة و الضغط في إتجاه تحسين العائد من المحاصيل خصوصاً تلك التي لا تنتج بوفرة او جودة عالية في كثير من البلدان ، و اذا أخذنا في الاعتبار التنوع الكبير للانشطة الزراعية في السودان و على هدى هذه السياسية الاقتصادية يصبح من المتوقع أن يكون السودان من أكبر المساهمين عالمياً في عملية التداول في البورصات العالمية .

526 .3 K

أسبقية الظاهرة علي المنهج

أسبقية الظاهرة علي المنهج حسان الناصر - باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا تتعقد الحياة البشرية شيئا فشيئا وتتقلص الفوارق في المسافات و الأزمنة وحتى الأماكن ، ولم يعد الإنسان ذاك الكائن الذي يزعن الظروف الطبيعة أو مجريات الصدفة ، اتسعت المعرفة الانسانية لتشهد تراكم هائل في شتى المجالات سواء في العلوم الطبيعية أو المعارف الإنسانية وغيرها ، صار بالإمكان أن تسمع مقطوعة منذ القرن السابع عشر وأنت تجلس في قرية بسيطة ربما لم يتصورها عازف المقطوعة . لتصبح الظواهر الإجتماعية أكثر تعقيداً بهذا الترابط ، (فالسوق) استطاع أن يربط بين الموضة التي تنتج في فصل الشتاء علي صفحات مجلات باريس وبين غياب الأم العاملة في مصانع تايوان عن المنزل أو الصراع الذي يدور في الكنغو بين المسلحين و الحكومة هناك . وعدد الأطفال الذين يجندون في قوات الدعم السريع سنوياً . وهذا ما يقودني الي طرح (الظاهرة) كمرتكز أساسي داخل علم الإجتماع ولها أولوية قبل سؤال المنهج ، ولا يعني هذا عدم أهمية المنهج ولكن وفقاً لمقومات البحث العلمي فإن الإطار النظري يسبق الظاهرة في التقدم داخل متن البحث الكتابي ولكن ما أود عكسه هنا هو أن تأتي الظاهرة في عملية البحث و الكتابة أولاً قبل سؤال المنهج ، أي عندما قيام الباحث بملاحظة الظاهرة عليه أن ينحاز في بادئ الأمر لها ليكون جزءاً من تشکلها حتى يخترقها ويعمل على فهم طبيعة حركتها مما يسمح له برؤية أكثر عمقاً ويتعامل معها وفق طبيعتها الداخلية ومن ثم تقوده هي الي المنهج لا يقودها هو ، علي الباحث الإجتماعي ( ليس من باب الوجوب أو الفرض ) أن يتشبع بمقدار من القلق و الشك المتقد الذي يسمح له بالنظر خارج صناديق المناهج وأن لا يجعل من الظاهرة مصفوفة حتى يستطيع فهمها بل عليه أن يزعن للتشتت الذي تقوده إليه الظاهرة . عندما أقول الظاهرة فإنني لا اريد تعريفها تعريفاً منهجية ومعيارياً يكبل من مفهومهاً داخل النص هذا فقد تكون الظاهرة هي ملاحظة بسيطة كأن يتوارد إليك سؤلاً بسيطاً (لماذا دائما ما يرتدي الأساتذة السودانيين بدل واسعة وغير متناسقة) إن هذا السؤال الذي ورد إلي هو من جراء ملاحظة يومية ولكن عندما لجأت الي ذاكرتي وجدت أن هذا المشهد متكرر حتی داخل المؤسسات الرسمية وحتى رئيس المجلس السيادي للحكومة الانتقالية هو علي هذه الشاكلة ، قد يفتح السؤال هذا أسئلة عديدة ومترابطة مع بعضها معنية بطبيعة التربية و الذوق العام ومدى تجانس الوعي الحداثي مع تمثله في المجتمع ومظاهر الزي عند النخبة المتعلمة منذ مراحل دراستهم الأولية وحتى الجامعة ، قد يقود هذا السؤال الي غاهب موغلة داخل المجتمع السوداني ما أردته من هذا المثال هو كيف أن الظاهرة قد يقودها إليك خيط شعاع بسيط ؟ قد تغفل عنه من جراء رؤيتك للمجتمع من خلال المنهج الذي غرس فيك وكبلك ، أن هذا الافتراض الذي أحاول تأكيده هنا مرتبط بطبيعة التعليم وعملية التعلم التي تنتج داخل المؤسس ات الأكاديمية التي تفترض انها تبني الهيكل دون أن تناقش المضمون ولكنها تغفل عن نقطة مهمة وهي أنه بمجرد بناء هذا الهيكل تكون قد صممت خط إنتاج معين للطلاب سيركنون إليه دائما ، لذلك علينا كطلاب أن نوقظ روح القلق الدائم و التشتت الذي لا يمكن أن يتم إحتواءه ، علينا أن نتمرد علي محاولة أي تحديد لفكرة الهيكل هذه ، بالتأكيد أنا لا أعني أن نكفر بالمنهج ولكن أعنى أن يتجاوز التفكير حدود هذه الأبنية الأكاديمية علينا أن نتمرد على تاريخ المعرفة الذي يعطى ونلتهمه دون أن نعيد طهيه من جديد ، علينا أن نبتعد من ثقافة الوجبات الجاهزية في المعرفة وأن نتمرد في فكرتنا المنتجة نفسها وطبيعة العمل علي صك المفاهيم ، وأن ندفع بحس النقد داخل بداية التكوين الأولي الذي يدفعنا لدراسة ما حولنا من ظواهر ، لنبقى على المنهج مجرد أداة لا موضوع اشتغال أساسي يكبل من جماح عقولنا نحو الإنعتاق من هذه الأطر المعدة مسبقا ، علي باحث الإجتماع أن يكون عازف موسيقى يسلم بالمنهج ولكنه يبدع في استنباط المقطوعات .

297 .3 K

الثورة السودانية وتفكيك النظام الأبوي

الثورة السودانية وتفكيك النظام الأبوي حسان الناصر باحث بمعهد الدوحة للدراسات العليا – علم الإجتماع والأنثربولوجيا الناظر الي حالة المجتمعات التي لم تنعم بديمقراطية طويلة المدى، يرى أن هنالك إشكال أساسي في تجربتها سواء أكانت علي الصعيد المؤسسي في الفضاء المدني أو علي المستوى الإجتماعي بين الأفراد، ومما لاشك فيه فإن مجتمعا مثل المجتمع السوداني يعيش حالة من الإنفصام ( المفارقة بين المجتمع والدولة كما ينبغي أن تكون عليه ) داخل تقسيماته الإجتماعية (فالمدنية) التي كانت شعار رفع بعد سقوط النظام الإسلامي الشمولي لا تتجسد إلا داخل (المدينة) في صورة مادية مخالفة لطبيعة الريف وليست فضاء مدني بكامل حمولته الإقتصادية والسياسية فلم تتم إعادة إنتاج العلاقات الإجتماعية وفقا للمصالح الإقتصادية المشتركة أو بوعي سياسي مختلف عن الوعي العشائري الذي يقوم علي الحس القبلي للأفراد بمعنى أن العلاقات الإجتماعية لم تنتقل بعد من علاقات الدم إلى علاقات العمل وهذا ما انعكس بطبيعة الحال على مؤسسة الدولة و الممارسة السياسية للأنظمة التي تعاقبت على سدة الحكم منذ الاستقلال. إن شكل المجتمع السوداني وتشكلات السلطة الإجتماعية فيه ما زالت تحافظ علي وجودها وتدافع عن هذا الوجود منذ ظهور الحداثة في المجتمع السوداني بصورتها المؤسسية التي جبل عليها أفراد المجتمع قسرا عبر الاستعمار ، ولم تتجسد القيم التي تسمح للفرد بالابداع وبناء فضاء حر يعبر من خلاله عن ذاته. وليس هذا وحسب بل عملت هذه السلطة علي إنتاج نفسها داخل أوعية الحداثة الجديدة بحيث إستوعبت الحداثة في شروط جديدة وأنتجت الحقل السياسي و الثقافي والإقتصادي في ظل سلطة إجتماعية متمركزة نحو ( الأبوية) فتشرب النظام السياسي و العلاقات الإجتماعية هذه (الابوية) فظهرت في النظرية السياسية وظهرت في شكل القوانين المقيدة للحريات بجانب ظهورها حتى في طرق التفكير و السلوك الإجتماعي للأفراد و الجماعات . إنّ انتزاع الهويّة الذكورية إذن يتمّ بتنظيم من الجماعة، وذلك بتشجيع هذا الانفصال عبر سلسلة من طقوس التنصيب الموجهة للترجيل بدءاً من حلق شعر الرأس مروراً بالألعاب والألبسة الذكورية والتمنطق بالخنجر وصولاً إلى رياضات خاصّة كالصيد، قطعاً مع العالم الأمومي للفتيات القريبات من أمهاتهن الأهمية لا شك فيه أن الثورة التي جرت في ديسمبر قد طالت ليس النظام السياسي وحسب وإنما حتى النظم الاجتماعية التي وفرت مناخا ملائما لعمل النظام الشمولي قد طالها التغيير أو هي الان في طور التحلل و الذوبان لذلك تفحص هذه الورقة سؤال حول هذه القضية وهي الي أي مدى يمكن للثورة تفكيك النظام الابوي علي المستوى الاجتماعي لكي نستطيع فهم المصطلح لابد لنا من البحث في كتابات بورديو التي يمكنها أن تفسر لنا حالة الهيمنة الذكورية التي تعيشها مجتمعاتنا العربية عموماً و المحلية بالخصوص ، إن بناء بورديو المفاهيمي يقوم علي أساس تحليل تلك البنى التي علي إعادة انتاج النموذج الذكوري في تشكل الافراد (ذكور، اناث) ، لا يختلف نموذج الابوة عن الذكورية فهو الاصل ينطلقان من ذات الخطاب الذي يستند عليه الاثنان معا. النظام الابوي أكثر شمولية عند قراءته من الهيمنة الذكورية فدراسة النظام الأبوي تفسر لنا حالة الذكورية التي تمارس داخل نظام المجتمع إذن يمكننا أن نقول بأن الهيمنة الذكورية تجد متسعاً لها في ظل النظام الابوي السائد في المجتمع ومؤسساته. التحليل : إن المجتمع الذي تقضي ثقافته بجعل السيطرة والسلطة بين أيدي كبير العائلة أو الجماعة القرابيّة. والاعتقاد بتفوّق الرجل بدنيّا واجتماعيّا وبانخفاض مركز المرأة وطبقا لهذا النظام ينتسب الأولاد للأب وتقيم الزوجة حيث يوجد مسكن الزوج. يتضح في المجتمع الأبوي أن تركيبة المجتمع ( تقليدية ) أي أنها لم تنتقل بعد الي علاقات تكون تركيبتها تقوم علي أساس العمل أو المصالح المشتركة ، المشاهد الى الحالة الإجتماعية في السودان يرى أن النظام الأبوي متمثل في الشكل العام للمؤسسات السياسية و الخطاب أيضا الذي نتنتجه هذه المؤسسات ، فإذا نظرنا إلى المؤسسات الحديثة مثلا نجد أنها تمثل صورة أخرى من صور الأبوية . بمعنى أن النظام الأبوي في الأساس يستند علي تركيبة المجتمع (التقليدية ) ، والتي تستند في الأساس علي متركزات رئيسية أصبحت جزء من الثقافة و السلوك الإجتماعي ، فالمقولات الدينية و السردية الإجتماعية تعزز من هذه القيم الأبوية لتكون من صميم تفكير المجتمع وهويته الثقافية حتى التي يعبر عنها في النشاط الثقافي وفي التراث وغيره . إن الشمولية ماهي الا تحالف بين نظام أبوي ومؤسسات أكثر أبوية في الدولة ، فالأسرة الصغيرة يتمثل فيها الأب دور الدكتاتور الذي يرى مصلحة الجميع وهم لا يعرفون مصالحهم لذلك من واجبه أن يحميهم ويحافظ عليهم. إن نظرنا الي المؤسسات الحديثة في المجتمع نرى أنها قد شبعت بهذه القيم فالمدرسة و المنهج نجد أنهما يمارسان سلطة قهرية متمثلة في الوصايا التي تفرضها إتجاه التلاميذ مطابقة تماما لتلك التي تمارس من قبل الاب ، والتي تطابق قيم المجتمع الأبوي . فتطابق النموذج الحديث للدولة مع قيم الأبوية ليشكل تعقيدا شائكاً ، وليس هذا وحسب بل وفر الخطاب الديني غطاءاً جيداً لهذه الأنماط السلطوية مما سمح لها بري الوعي العام بهذه القيم . فمن خلال القهر الممارس تعمل تلك المؤسسات علي إعادة إنتاج الأفراد ، وبالتأكيد لا تقف الأبوية عند هذا الحد بل تنتقل الي المؤسسات السياسية أيضا والى النظرية السياسية علي مستوى الممارسة وعلي مستوى النسق المعرفي للنظرية السياسية ، فيحل الحزب مكان القبيلة والأمين العام أو السكرتير محل الأب فتمارس الأبوية داخل المؤسسة أيضا من أعلى هياكلها إلى أدنى مستوياتها بل ينتقل هذا الخطاب الي الفضاء العام ليتماهى مع التصورات الإجتماعية . لاشك أن الأبوية والشمولية متلازمات والنظام السياسي الشمولي في حقيقته هو نظام أبوي ، فيفرض الوصايا و يحد من الحقوق ويمنع كافة أشكال الحرية أو الفردانية وتصبح الدولة حينها أشبه ما يكون بالقبيلة أو الأسرة فتمحى الهويات المختلفة وتذاب في قالب واحد كما ألواح الصابون ويتماهى المجتمع والمؤسسات في جلباب واحد لا إختلاف فيه . إن الشمولية ماهي الا تحالف بين نظام أبوي ومؤسسات أكثر أبوية في الدولة ، فالأسرة الصغيرة يتمثل فيها الأب دور الدكتاتور الذي يرى مصلحة الجميع وهم لا يعرفون مصالحهم لذلك من واجبه أن يحميهم ويحافظ عليهم ، بالتأكيد إن هذا الخطاب هو نفسه خطاب الدكتاتور العسكري ، فهو يخاف علي البلاد من التفكك و الانحلال و الضياع ويخاف عليه من أن ينهار ويتفكك ، إن ( عمر البشير ) ما هو إلا تمثل لصورة الأب داخل المجتمع السوداني ، بكافة مؤسساته التي كانت تعمل علي قهر المجتمع فالأنظمة الشمولية تعمل علي إفقار المجتمعات عبر مؤسسات الدولة بحيث تكون القوة المادية و الإنتاج يعود إليها ، وتحل مؤسسات الحزب أو الجماعة محل مؤسسات الدولة ، هنا بالتأكيد ينحل العقد الإجتماعي بين الأفراد والدولة ويصبح الأفراد مجرد رعايا في طرف الدولة ، وأحيانا تكون الدولة أشد قهرا من الأب ومن الأسرة . إلا إنهما وجهان لعملة واحدة . ولا أعني بهذا أن الدولة بنموذجها الحديث هي بريئة من هذه المعضلة وأنها ليست أداة قهر هي الأخرى ، مما لا شك فيه أن النموذج الحديث للدولة في السياق السوداني إتخذت نموذج قهر منذ التركية ، ويظهر ذلك في النزعة المركزية التي أسست علي أساسها كانت أشد بطشا بالمجتمعات ، وإتخذت من القمع أداة لتوحيد المجتمعات القبلية مما خلق فجوة بين الدولة و المجتمع متمثلة حتى يومنا هذا ، ويظهر ان الأفراد و المجتمعات يشعرون بحالة اللاإنتماء للدولة وأنها ليست معبرة عنهم وخصوصا المجتمعات التي تعيش علي هامش السلطة ، مما تمظهر ذلك في حروب ونزاعات إمتدت لأكثر من ستون عاماً . أبرز مافي هذه الثورة من سمات هي السلمية الخاتمة : إذن كيف يمكن لنا وبعد ثلاثون عاماً من حكم أبوي شمولي أن ننفذ لحالة جديدة يستعيد فيها المجتمع عافيته ويجد الأفراد حقهم السياسي في التعبير عن أنفسهم كمواطنين لا كمقهورين ويعاد صياغة الدولة الحديثة من الحالة الإستعمارية الى الحالة الوطنية التي يجب أن تعيشها المجتمعات . لا شك أن الثورة تمثل لحظة إنتقال من وضعية تاريخية الي وضعية مختلفة تماما ، فالثورة التي قامت ظهرت في بادئ الأمر كأنها حركة تمرد في المقام الأول علي الطبيعة الإجتماعية للمجتمع وظهر هذا جليا في الفترات الأخيرة من حراك الثوري . مع أن الثورة إنطلقت علي وضعية سياسية إقتصادية إلا أنها سرعان ما تغيرت الي مواجهة مباشرة علي مستويين : المستوى الأول المواجهة السياسية مع النظام الشمولي حيث واجهة الحراك الخطاب الشمولي عبر بلورة مواقف معبرة وتجلى ذلك في خطاب الثورة نفسه (حرية – سلام -عدالة ) ومن ثم مواجهة مع آلة العنف والبطش المتمثلة في المؤسسات الأمنية و البولسية للنظام . وهي في الحقيقة في ظاهرها مواجهة لنموذج الدولة الحديثة الذي تبلور منذ الاستعمار ، فالمؤسسات التي تعبر عن الدولة مازالت باقية في نموذجها الإستعمار الخالص ، فالقصر الجمهموري وإن كان يحمل رمزية الحاكم العام مازال محافظاً علي هذه الرمزية لنرى أن الرئيس ما هو إلا أمتداد للحاكم العام . وقد يكون أبرز مافي هذه الثورة من سمات هي السلمية ، وهنا نشير الي تغير الشروط التي كانت يمكن أن تبقي علي النظام القمعي إذا ما سقط الفاعلون فيه وهو ان يجروا الى العنف . بذلك تكون الممارسة الثورية قد نقلت سلطة الدولة الي شروط مختلفة عن الشروط التي تلعب فيها ، مما أدى الي خلل في عمل الأجهزة الأمنية ، والنموذج اللامركزي الذي إبتدعته قوى الثورة الإجتماعية أدى الي أن تعيق تفكير الدولة و تشتت عملها ، فالشروط الذي أنتجت العملية السياسية هو نموذج مركزي خالص إستطاع أن يكبل من عمل القوى السياسية بسبب أنها تتخذ من ذات الممارسة شكلا لها . يبدو أن الثورة قامت علي النموذج النظري للممارسة السياسية التقليدية ، الذي يسند علي المركزية وتحكم السلطة المركزية للحزب أي أن الثورة لم تقم علي مشاكل الدولة و المؤسسات بل تجاوزتها لرفض المؤسسة المنتجة لهذا النموذج وهذا ما ظهر جليا في رفض القوى الثورية ( لجان المقاومة ، لجان الأحياء) ، بالتأكيد هذا الرفض ليس ناتجا من تنازع حول مسألة سياسية وإنما نابع من شكل إجتماعي آخر يخفي هذا الرفض ، وأذهب الي تفسير هذا الرفض الى أنه رفض للمؤسسة الأبوية والذكورية في المجتمع السوداني . بالتأكيد لا تنفصل السلطة الإجتماعية عن السلط السياسية . فالثانية تستمد قوتها وفعلها من الأولى ، وتساهم السلطة السياسية بالتأكيد في إعادة بناء السلطة الإجتماعية من جديد فالناظر الي حالة الأسرة السودانية قبل ثلاثين عاما يرى مشهدا مختلفا تماما ، فلقد قام النظام السياسي بإعادة تعريف الأسرة نفسها وبمعنى آخر إعادة ترتيب المجتمع ومراكز قوته عبر أدوات السيطرة بكافة أنواعها ، مما أعلى قيمة الأب بحيث تتماثل الأسرة مع قيم السلطة وتشكلاتها . لذلك كان رد الفعل الإجتماعي عند قيام هذه الإحنجاجات مختلف تماما وإن كانت معاناة الأب الإقتصادية اكبر وأقسى بإعتبار الإمتيازات التي ينلقاها من جراء القيام بوظيفته الإقتصادية داخل الأسرة تصادم هذه القوى الجديدة هو في الأساس تصادم قيمي ونزوع نحو كسر هذه السلطة ، فالقيم التي يحملها الشباب هي مختلفة تماماً عن تلك القيم التي نشؤو عليها ، فلقد تمت إعادة انتاج هذه القيم وتعريتها تماما في حقل مختلف عن الحقل الأسري ، فمواقع التواصل الإجتماعي و إبتعاد الأب عن الرقابة الأسرية سمح وخلق فجوة مما أدى الي دخول قيم جديدة مختلفة عن تلك الأسرية ، فمجموعات التي علي (الواتساب ) سمحت لأن تتم أعادة ترتيب لفضاء الأسرة نفسه فبدل أن تكون التراتبية موجودة داخل فضاء المنزل مثلا أن تنفصل أماكن جلوس الرجال عن النساء ، سمحت هذه المجموعات بأن تكون كل الأسرة موجودة في مكان واحد مما يسحب الفضاء الأسري الي مكان تصير فيه لغة الحوار متداولة للجميع. بالإضافة الي هذا الأمر فإن الأزمات الإقتصادية التي عصفت بالمجتمع في كل الطبقات و الفئات سمحت بخروج العديدين من الشباب و الشبات وربات المنازل الي سوق العمل مما أعاد طبيعة ترتيب السلطة داخل منظومة الأسرة وبالإضافة الى خلق قوى إجتماعية جديدة متحركة داخل الفضاء العام ، مما غير من المشهد العام للمجتمع فأصبح وجود المرأة في الساحة الشعبية بدل أن تكون المقاهي مثلا و المطاعم فضاء ذكوري تام إقتحمت المرأة هذا الفضاء وأعادت صناعة الخطاب ، إذن يتضح أن التغير الذي حدث للبنى الإجتماعية صاحبه تغيير في كافة مكامن السلطة الأبوية التي كانت تمثل حجر عثرة أمام أي تغيير أو محاولة خلق فضاءات جديدة . لا يبدو أن بعد سقوط النظام قد تبدل الحال كثيرا لطبيعة التغيير الإجتماعي الذي يحتاج إليه المجتمع ولكن يمكن أن نقول : الساحة الإجتماعية قد باتت الأن تسمح بنشوء حركة إجتماعية تعيد صك مفاهيم جديدة وقيم جديدة تسهم في ذوبان البنى الأبوية التي كانت تتحكم في مفاصل المجتمع ، وقد لا يحدث هذا الأمر ويرتد المجتمع مرة أخرى لنفس البنى القديمة بسبب ربط نجاح الثورة من عدمها بالوضع السياسي وهو الفخ الذي ستجر له هذه القوى الإجتماعية ، مالم تعمل علي بناء بردايم نظري يفضي الي تغيير من بنى المجتمع وجل ما قد يغشاه المرء أن يحدث هذا الإنتقال الاجتماعي ونحن مجبولون عليه فتنعكس الصورة السابقة بكامل حمولتها بمعنى أن تحاول القوى السياسية فرض توجهاتها الفكرية علي المجتمع دون أن توجد حد أدنى من درجة الوعي بهذه التحولات مما يسمح بإرتداد المجتمع وإحداث شرخ فيه كما هو موجود في العديد من البلدان التي ظهر فيها التطرف نتيجة للقمع السياسي و القوة في فرض التوجهات الحداثية . المراجع و المصادر : 1. يير بورديو، الهيمنة الذكورية، ترجمة سلمان قعفراني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009 أحمد زكي بدوي . 2. معجم مصطلحات العلوم الاجتماعيّة. بيروت: مكتبة لبنان , الطبعة الثانية ،1993 هشام شرابي . 3. النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي. ترجمة محمود شريح. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992

855 .2 K

الدين والثورة في فكر علي عزت بجوفيتش وعلي شريعتي

الدين والثورة.. في فكر علي عزت بيجوفيتش وعلي شريعتي القاسم عبدالله الظافر علي الصعيد الشخصي، إزدت فخراً وتهياً وكِدتُ بأخمصيَّ أطأ الثريا، عندما قرأت أنه صلي الله علية وسلم كان يحتفظ بتسعة سيوف وثلاثة رماح وسبعة دروع وثلاثة تروس وأسلحة أخري. فهذا "الرسول الثوري-المقاتل" ما كان ليرضي بالذل والرضوخ للمعاناة، بل كان قدوة في محاربة الشر والظلم والإستبداد، فهذه المقاومة إرتبطت عندنا بمفهوم التدين وهذه الروح هي التي سرت داخل الشعائر الدينية والمظاهر التعبدية وجعلت منها معاني ثورية عميقة، فأصبح هذا المشروع الإلهٰي دافعاً ومؤسساً لمجموعة جوهرية من القواعد السياسية والإجتماعية. فالصلاة يوجد بداخلها معني ثوري عميق. أولٰئك المصلين كل حركاتهم وسكناتهم ثورية، وأولٰئك الثوار وكأنهم في صلاة جماعية - في الصلاة الله أكبر شعار للثورة علي الغوايه الشيطانية والرغبات الدنيوية، وفي الثورة شعار سقوط الطاغية تأكيداً لله الواحد الذي هو أكبر من كل نفس فرعونية. وفي الصلاة نسد الخلل ثورة علي شيطان العنصرية، وفي الثورة التلاحم والحميمية والتضحية ترجمة عملية لهدم أصنام القبلية. وفي الصلاة برنامج ثوري إصلاحي، وفي الثورة برنامج تعبدي إصلاحي، فالمساجد ساحات ثورية، وميادين الثوار مساجد طاهرة. فالثوار هم المصلين، والمصلين هم أئمة ثائرين، وطوبى لمن صلي ثائراً وثار مصلياً. وكذالك سائر الشعائر الدينية من صيام وزكاة وحج وغيرها تتحلي في داخلها بهذه المعاني الحية المتصله بواقع الناس وحياة المجتمع، حيث لا يتسع المجال هنا لسردها تباعاً. بحث علي عزت بجوفيتش (1925 - 2003م) عن المكونات الجوّانية للشعور الثوري وعلاقته وتقاطعاته بالشعور الديني، حيث أن مجموعة المشاعر الثورية مثل التضحية والتضامن والمصير المشترك التي تتخلل الفعل الثوري هي في طبيعتها مشاعر دينية فكل مظاهر الدين تجدها محفزة لإيجاد علاقة حميمية بين الأفراد تسودها الأخوة والتضامن والتضحية. ويعتبر أن المجتمع الذي تسيطر علية هذه المشاعر الثورية هو في حقيقتة يعيش في حالة دينية، وبالتالي فإن المجتمع الذي يعجز عن التدين يعجز أيضاً عن القيام بالثورة لغياب المحركات الداخلية لها. كما أنه أحدث مقارنه هامة بين الدين المجرد والإسلام، الدين الذي يأخذ موقفاً سلبياً من الإعتقاد الإنساني بتنظيم العالم الخارجي أو تغييره ويعتبرها خطيئة، بإعتبار أن العالم الخارجي تهيمن عليه قوي الشر والشيطان ولا سبيل لإصلاحه، مبلغ المتدين في هذا الدين المجرد هو ذاته وتجنب الزلات، فيقدم هذا الدين إجابة علي سؤال كيف تحيا في ذاتك وكيفية مواجهة هذه الذات إستناداً الي مقولة المسيح "مملكتي ليست في هذه العالم". وعلي الجانب الآخر يقع الإسلام الذي يقف موقفاً إجابياً من التعامل مع الواقع بل يدعو الي العمل علي تغييره، وبذلك يكون الإسلام قد قدم إجابة علي سؤال كيف تعيش في العالم مع الآخرين ويتعدى التمحور حول الذات. ويتضح ذلك عندما تجنب المسيح دخول القدس لأنها مدينة الفريّسيين والدجالين والكفار وأصحاب الإيمان السطحي، في حين آثر محمد (ص) دخول مكة وكان الإسلام دائماً يبحث عن هذه المدن والأمصار حتي يفتحها ويصلح ما بداخلها، رحلة غار حراء وأسواق مكة جمعت بين الشحذ الروحي الفرداني والتعامل مع الواقع الحياة والمجتمع بغية إصلاحة وبذلك إستمد الإسلام سمته في التعامل مع الواقع والعمل علي تغييره. وبذات النهج إنطلق علي شريعتي (1933 - 1977م) في البحث عن ماهية الدين الثوري أو دين التوحيد (الإسلام)، ذلك الدين الذي يغذي أتباعه ومعتنقيه برؤية نقدية حيال كل ما يحيط بهم من بيئة مادية ومعنوية، بل ويحثهم للسعي وراء ذلك دائماً وأبداً، كما عبر عن الكشف عن سمات هذا الدين بالبحث في أثار الحركة الأولي لأنبياء التوحيد حيث إعتبر تلك الحقبة هي الأصدق في نقل والكشف عن المعاني الداخلية للدين، فكانت حركة الأنبياء عبارة عن رفض للوضع القائم وتمرد علي كل جور وفساد وأتي هذا المعني مصاحباً للعبودية والخضوع لله وحده. وأخذ من حركة موسي علية السلام الذي كان ثائراً في وجه ثلاث أقطاب قارون الذي كان يمثل الرأس المالية، وبلعم بن باعورا ممثل لشخصية رجل الدين المنحرف، واخيراً فرعون صاحب أبشع إستغلال للنفوذ السياسي والسيادي. وعلي الجانب الآخر كشف علي شريعتي عن ماهية الدين التبريري أو دين الشرك الذي يقع في تضاد مع الدين الثوري أو التوحيدي، الذي يبرر الوضع القائم عبر تحريف المعتقدات والمباديء العقائدية، ويحاول بهذا إقناع الجماهير بأن وضعهم الراهن هو الأمثل ويجب أن يرضوا به لأنه مظهر لإرادة الله ويندرج هذا التبرير تحت المصير المحتوم الذي كتبة الله. إتفق كل من بجوفيتش وشريعتي في تتبع ذات المنهج بتقسيم كل الدين الي قسمين رئيسيين، عند بجوفيتش تجده مايّيز بين الدين المجرد من ناحية والإسلام الدين المطلق من ناحية أخري، وكذلك شريعتي مايّيز بين الدين الثوري أو دين التوحيد والآخر الدين التبريري أو دين الشرك. كما إتفقا علي المحرك الداخلي لدين التوحيد-الدين الثوري (الإسلام) وهي عدم إستثنائيتة للواقع وتعاملة المباشر معه بل حث معتنقيه علي تغييره ما أمكن بعكس الدين المجرد أو التبريري (دين الشرك) الذي يسوغ لقبول الواقع ويجعل من ذلك حتمية إلٰهية يجب التسليم لها. وتتسع المقارنة حتي تصل الي الظلال التي تنعكس علي المجتمع الذي يعتنق هذا الدين أو ذاك، حتي في أنماط معالم الدينية توجد فوارق لها ظلال علي المجتمع فهنالك مقارنه بين الدور الوظيفي للكنسية والمسجد علي سبيل المثال أو بين الطبقات والفوارق التي أحدثها الدين المجرد كالرهبان والأكليروس وعامة الشعب والتي لا تجد لها وجود في دين الثوري أو الإسلام. أخذت الأفكار الرئيسية للمفكريّن من كتابي الإسلام بين الشرق والغرب - علي عزّت، ودين ضد دين - علي شريعتي.

634 .2 K

مِهنة مَنْ لا مِهنة له

فوق اليابسة | مِهنة مَنْ لا مِهنة له أُبي عمر سليم _ مُدون منظمة الصيادلة السودانيين يُعتبر القطاع الصحي من أهم القطاعات في بناء الدول والمجتمعات والمؤسسات والأفراد دون استثناء إذ تُشكل الصحة حجر الأساس للإنسان التى تمكنه من الإنتاجية والقيام بنشاطات بدنية و ذهنية من أجل تحقيق غرض معين و ذو منفعة سواء ذاتية أو مجتمعية على حد سواء. نتيجة لذلك، فقد اقترن التسجيل للكليات الطبية دوماً بِشروطٍ مُعينة تُميزها عن باقي الكليات، مع التأكيد على أن المُهندس بإمكانه ان يتسبب في هدمِ عِمارةٍ على رؤوسِ ساكنيها، و بإمكانِ خريجِ اللُغات أن يُترجم معلومةً خاطئة وغيرها من الأشياء المُهمة لكل المجالات بلا استثناءٍ و لكنني تعمدت التركيز على مجالِ الصحة و العُلوم الطبية كوْنها ذاتِ موضعٍ حساس و مؤثر؛ بطريقةٍ مُباشرة على سُلوكيات المريض وحياته و إسلوب معيشته للمدى القريب والبعيد. في عالم الصيدلة بالسودان، وعلى قدر أهمية تلك المهنة يبدّو الصيدلي هو المسؤول الأول والأخير عن جميع العلاجات بأنواعها وتوفير جميع المستلزمات الطبية بالمستشفيات، و بإعتبارهِ آخر فرد من القطاع الصِّحي يقابل المريض، وغيرها من الأشياء،فإننا نعيش في تهاونٍ غريب، بل و معيبٍ من جانب الجِهاتِ الرقابية و العناصر القانونية المسؤولة في مواجهة عديمي الضمير الإنساني و عاشقي المادة بكامل أشكالها. لكم أن تتَخيلوا أن هيئة التدريب الرسمية في السودان تعترف بما يسمى بكورس الصيدلي الوظيفي، و مدته ثلاثةِ أشْهُر أو شهرين وقد يصل لشهر واحد مُكثّف، بل و يُمكّن توثيّق شهادته في الجهات العليا، ليس هذا فقط، بل يمكن كذلك العمل به و هو معترف به من قبل أصحابِ الصيّدليات و بمرتبٍ مُعيّن وِفقاً لِمّا يتفق عليه الطرفان هل تعلمون أين المصُيبة، هل تستطيعون تصّور حجم هذّهِ الكارِثّة، فالغالبية من أصحاب الصيدليات بتفكيرهم الاستثماري (المنطقي) يُفْضلُون التعاقُد مع صاحب الثلاثة أشهُر حيثُ يُعتبر مرتبه أقل بكثير من مُرتّب الصيّدلي و لا يُكلّف صاحب الصيدلية شيئاً إذ يتفقان الطرفان في الفائدة المادية و تغيب عنهما الفائدة الصحية للمريض أو اختيار أفضل خيار له حتى و إن لم يكن موجود بالصيدلية ليس هذا فقط، بل إن صاحب الثلاثةِ أشهُر يعمل بنفس دوام الصيدلي صاحب الخمسة سنوات دراسية و ينال رضاً أكبر من غالبية أصحاب الصيدليات والضحية الأول و الأخيرة هو المريض الذى وثق في الصيدلية أولاً ومن ثم وثّقَ في من يُحادثّه ظناً أنه ( الصيّدلي صاحب البِكالريوس على أقل تقدير) و لم يكن يعلم أنه ( الموظف ذُو الثلاثة أشهر على أقصى تقدير) القضية لا تتوقف عند هذا الحد، فالأضرار المُترتبة على تلك المُعطيّات أكبّر بكثير من ذلك و سأعطيكُم مِثال واحد في هذا المقال، تخيلوا أن أحد مرضى الغُدة وُصف له علاج يسمى بال (Carbimazole) و هو خاص بنشاطات الغُدّة، فتم إعطاءهُ بِما يُسمى ب (Carbamazepine) وهو مُضاد للصرّع والتشنجات، والمُصيبة الأكبر أن المريض ظل يُداوِم عليه لِمُدة شهرين قبل أن يكتشف أحد الصيادّلة ذلك الخطأ الكارثي و المُدمّر للصحة من كل المستويات! إِن صاحب الثلاثةِ أشهُر ( إن لم يكن شهرين أو شهر ) لا تنحصّر مصائبه في صرفِ الدواء الخاطئ فقط، بل كذلك بصرف الأدوية الغير لازّمة ( الإيراد أولاً و آخرِاً ) و تحديدِ جرعات خاطئة و إعطاء معلومات لا أساس لها من الصِحة، خاصةً مِثل الممنوعات في إستعمال الدواء و محاذيره وتفاعلاته مع الأدوية والاطعمة و الأعشاب، ومن أين له بِمثل هذهِ المعلومات في ثلاثة أشهر فقط. الأمثلة عديدة و الدلائل الشاهدة على كارثية هذا الأمر لا تُحصى ولا تعد و سنتطرق لها جميعها و لكن أحّبُّ ان أُنبهكُم إلى الجانب الأكثر ظلاماً مِما ذكرته وهو أن من يُدَّرِسون هذهِ الكورسات و يمنحُون تلك الشهادات لهؤلاء الأفراد هم الصيادلة أنفسهم! وسنتطرق لكل هذا بالأجزاء القادمة بإذن الله تعالى. فوق اليابسة ما أكثر أصحاب الصيدليات الذين هددوا الصيادلة عندما طالبوهم ببعض الأساسيّات أو زِيّادة للحوافز بأنهم سيجلبوا ذوي الثلاثة أشهُر ليحلوا محلهم مُستدلين على إمكانيتهم في زيادة الإِيراد اليومي للصيدلية أكّثر من الصيادلة بأضعاف مضاعفة.

512 .2 K

جامعة أفريقيا العالمية

جامعة أفريقيا العالمية: سفارة عبد الله علي إبراهيم لا أعرف ملابسات تعطيل اجتماع مجلس أمناء جامعة أفريقيا العالمية. وودت لو انعقد مع ذلك. فهو مما ستظل حاجة الجامعة، برسالتها في تعليم أولاد المسلمين وبناتهم في أفريقيا بالذات، له ماسة. ووددت لو اجتمعت بهم سلطات التعليم العالي لتجديد العهد معهم لمواصلة عنايتهم بالجامعة. وكنا خسرنا هذه العناية بالجامعة على أيام كانت المركز الإسلامي الأفريقي من جراء شغب الإنقاذ وشططها مع الدول الإسلامية التي وقفت معها أول مرة. ولا أذكر متى عادوا للعناية بالمركز الذي صار جامعة وطيدة الجناب. وددت لو ميزنا بغير هوادة بين جامعة أفريقيا وبين الإسلاميين ونظامهم الذي نشأت، أو ترعرعت، في أوساطهم. فالدعوة القائمة (بلها) خطأ بين. فليس ما ذاع عنها من قبض أموال حرام من المخلوع أو سياسات التعيين فيها مما يستوجب البل. وسعدت لما اكتفت لجنة تفكيك نظام الإنقاذ بقرار بمراجعة موازناتها منذ 1989. وربما صادمت هذه المراجعة حصانات للجامعة لوضعيتها الدبلوماسية وددت لو تنزلت الجامعة عندها للظرف العصيب الذي يقلب فيه بلد المنشأ، السودان، أوراقه كلها بعد ثلاثين عاماً اختلط الحابل فيها بالنابل. ونزولاً من الجامعة أيضاً عند الاعتراف بأنها ظلت خلواً من نهج في العلاقات العامة تزكي نفسها لأهل الرأي في غير الحكومة يشفع لها في يوم كهذا. فظلت هي وطلابها ومجلس أمنائها في عين غير الإسلاميين حالة إسلاموية ذاع عنها حتى ممارسة طلابها للدجل والطيلسان. أما عن غربتها في محيطها فحدث. فسارت نكتة محكية عن طالب منها تحدث بالعربية الفصحى مع كمساري بص فكبّر الكمساري من هول فصاحة لا يسمعها إلا في الوعظ والخطب الحماسية قائلا: الله أكبر ولله الحمد. أتيح لي دون زملائي ممن يوصفون بأهل التعليم الحديث أن أتصل بالجامعة منذ عقد خلا. فجئتها على مقاعد الدرس أطلب علماً في الشريعة لأُحسن تدريس مقرر (الإسلام والغرب) لطلابي بجامعة ميسوري بأمريكا. وأحسن الدكتور حسن مكي وفادتي. ودرست علم الحديث والفقه على يد أستاذين من الصومال وتونس. وعجبت لتنوع هيئة التدريس الذي هو من شروط إحسان التعليم الجامعي. وقدمت في منابر الجامعة أوراقاً في مؤتمرات انعقدت عن مرور 15 قرن على قدوم الإسلام لأفريقيا، وعن السيرة النبوية، ونظم الدراسات فوق الجامعية. ثم تعينت فيها استاذاً للتاريخ وقضيت في رحابها عام 2016. واضطرني ظرف عائلي أن أنهي تعاقدي معها. وتبقي لي موقفان من الذكريات فيها. أذكر يوم دعاني زملائي من الطلاب الإيرانيين في فصل علم الحديث إلى فطور رمضان. وفاض المجلس بولائهم لبلد نبيل يوفر لهم العلم ويغدق محسنوه عليهم فضل زادهم. أما الروتين الذي سيبقي معي منها فهو تنصتي خلال سيري في ردهاتها ل(عجمة) أفريقيا المحببة. كل لسان فيها طلق. وكلهم سيقولون عنا يوماً في بلادهم قولاً حسنا بذات العجمة الغراء. جامعة أفريقيا العالمية بنت برنامج قديم مشاهد من الإسلاميين لبناء جسور لأفريقيا. وعدت قبل سنوات أقلب صحيفتهم الميثاق الإسلامي (1965) وفوجئت بالمساحة المخصصة لأفريقيا، المسلمة خاصة، فيها بما لا تجده في صحف أخرى قد تزعم رابطة أوثق بأفريقيا وأحفى. لم يخترع الإسلاميون هذه الرابطة مع أفريقيا المسلمة بالطبع. فجذرها قديم في وفود طلاب من أفريقيا أباً عن جد لتلقي القرآن وعلومه في خلاوي معلومة. ورأيت هذا الرعيل الأفريقي من طلاب العلم الديني في خلاوي الشيخ الفادني بشمال الجزيرة في زيارة صحبة حبيبنا المرحوم الطيب محمد الطيب وضيافة البروف على شمو. وما قام المعهد العلمي بأم درمان في 1910 حتى صار محجة لجيل آخر من طلاب العلم الديني من أفريقيا. وعليه فجامعة أفريقيا، في تحولها من مركز إسلامي إلى جامعة مستديرة تامة، هي حلقة أعلى في تقليد أفريقي من طلب العلم في رحاب بلدنا. قد يذكر إسلاميون كثيرون قولي لهم: لو فعلتم عملاً صالحاً فرداً في السودان لكان جامعة أفريقيا العالمية. وهي سفارة لسودان في معنى قول المرحوم عبد الله رجب عن صحيفته الصراحة في الخمسينات: الصحافة سفارة. فكل خريج منها سفير للسودان حيث حل يلهج بذكره وبذكر شعبه فتقبل الجامعة 50 في المائة طلاباً أفارقة، و25 في المائة طالباً مسلماً من جهات العالم المختلفة. والبقية للسودان. ودرّست فيها صينين وفلينيين وبلاد تركب الأفيال. وبتحولها إلى جامعة وفرت التعليم الحديث لأولاد وبنات المسلمين في بلاد فاتهم فيها قطار التعليم لتمكن الحياة المرتحلة منهم وفاتهم غيرهم بالقطار المار. وسيكون هؤلاء الطلاب طاقة استراتيجية مسلمة ذكية في المنظمات الدولية والإقليمية والأفريقية. فلو حرصنا على توثيق ما بينهم كرسل مستقبل جمعاً بين العلم في تخصصهم والعلم الحسن بمحنة الإسلام في العالم ومحنة العالم نفسه لوضعوا رؤوسهم حيث التقوا في تلك المجامع ونفعوا زملاء بنعمة الله أخوانا. وربما كان مثل هذا الطموح لبناء هذه الطاقة الاستراتيجية من وراء قيام جامعة الصداقة مع أفريقيا (لوممبا) في موسكو في عهدها السوفياتي. اسأل الله أن نجتاز مفرق الدروب هذا حول جامعة أفريقيا بفطانة لتسلم هذه الجامعة التي كانت فينا أبداً بصورة أو أخرى. وسيستدعي الأمر شغلاً مراً بين التعليم العالي وإدارة جامعة أفريقيا يهون به كل شيء إلا طعن الجامعة في مقتل.

421 .2 K

Short Communication on Coronavirus 2019-nCoV

Short Communication on Coronavirus 2019-nCoV ?Why Real Time PCR gives false negative results for clinically confirmed corona patients Dr. Zahir Abbas Hilmi Department of Biocheistry and Molecular Biology, Faculty of Science, Gezira University* Medicine Program, Napata College* In November, 2002, an epidemic caused by a novel Betacoronavirus - SARS –nCoV emerged in Guangdong, southern China. SARS or severe acute respiratory syndrome, resulted in more than 8000 human infections and 774 deaths in 37 countries during 2002–03 In 2012, the Middle East respiratory syndrome (MERS) coronavirus (MERS-CoV), which was first detected in Saudi Arabia. MERS infected 2494 patients and kills 858 since September, 2012, including 38 deaths following a single introduction into South Korea In 2019 December, a new human-infecting betacoronavirus 2019-nCoV pandemic started in Wuhan in China. 2019-nCoV is sufficiently divergent from SARS-nCoV . The phylogenetic analysis suggests that bats might be the original host of this virus (Lu et. al., 2020). The bats were likely to be the reservoir for 2019-nCoV as it is most closely related to other betacoronaviruses of bat origin The new pandemic 2019- nCoVID started in December 2019 and up to 24 March 2020, within 67 days the number of infected patients in 196 countries was 410,213 , with 18,266 deaths, 107,182 recovered. The new pandemic now is out of control and the numbers of victims increased in a logarithmic way The coronavirus epidemic in the world started in Wuhan in China, caused by a new novel type of the Family Coronaviride the 2019 nCoV. According to Baltimore’s nucleic acid based taxonomy of viruses, members of Coronaviridae belonged to Group IV positive single stranded RNA viruses (+ssRNA). Coronavirus is the largest RNA viruses their genome ranged from 26000bp to 32000bp . The Coronaviridae genome is replicated by RNA dependant RNA polymerase , that induce more mutations 1 in every 1000 base pairs The complete genome sequences of the novel virus 2019-nCoV was 29,844 bp and was compared to genome other coronaviruses ( Lu et. al., 2020). The genome sequence of 2019-nCoV is most closely related (87.237 %) to two bats coronovirus that collected 2018 in Zhoushan, eastern China ; Bats- SL-nCoVZC45 (29732bp) and bat-SL-nCoVZXC21 . 2019-nCoV is less genetically similar to SARS- nCoV (79%); with a genome of 29751bp. 2019-nCoV The genome of MERS-nCoV (30,119 bp) was found to be the least related 50% to 2019- nCoV Phylogenetic analysis revealed that 2019-nCoV fell within the subgenus Sarbecovirus of the genus Betacoronavirus, with a relatively long branch length to its closest relatives bat-SL-nCoVZC45 and bat-SL-nCoVZXC21, Accordingly, the realtime PCR kits or other immunodiagnostic kits might not be able to detect the new virus with high percentages of false negatives due to sequence variation Diagnosis of 2019 nC0VID is very important to find out the first few cases and to isolate them, to prevent unchecked community spread. Confirmation of clinical diagnosis and follow up of viral load in patients before and after treatment, to ensure complete cure Many scientific reports showed that early Chinese may have had false negative rate as high as 50%. In USA many test kits released by the CDC on Feb.2020 were defective. Accordingly, the magnitude of this epidemic is still unknown. Also lower numbers of people were tested ?Why Real Time PCR gives false negative results for patients infected with CoVID 2019 Though real time PCR is the most advance and sensitive molecular diagnostic test it's operation requires highly skilled experts to avoid any mistakes * The site from which the sample taken not from the right place or no viruses in it * The samples not preserved well or transported in unsuitable preservatives * that may destroy the virus RNA genome or this preservatives may alter or inhibits PCR enzymes May be sterilization measures affect the sample, The RNA extraction Kits may not be suitable of efficient to obtain coronavirus RNA nucleic acid in good quality or with high concentration The test has two successive steps : the first one to do reverse transcriptase real time PCR to produce virus * cDNA, and the second to use the cDNA virus for amplification The two steps based on prior knowledge about the conserved sequence of the new coronavirus so as to design the PCR primers The rt PCR primers designed were not completely complementary to the new coronavirus nCoV ID 2019 , or not designed from the conserved sequences of RNA genome of the new coronavirus ، may be designed for old other corona virus that not suitable for the detection of the new coronavirus.(i.e. older RT PCR kits may be used ) The annealing or hybridization temperature for RT.PCR primers is not adjusted (calibrated) may be very * high that may give false negative results on clinically positive corona patients In this situation a new type specific primers from the nCoV ID 2019 conserved sequence , should be designed . Moreover, TagMan probe based real time PCR primers (type specific) should be used The Concentration of the virus nucleic acid in step one reverse transcriptase PCR * Or step 2 for cDNA may be very low and below 100 nanogram/microliter According to Lu et. al., 2020, the following primers should be used. The specific * primers and probe set (labelled with the reporter 6-carboxyfluorescein [FAM] and the quencher Black Hole Quencher 1 [BHQ1]) or orf1a were as follows Forward primer 5′-AGAAGATTGGTTAGATGATGATAGT-3′ Reverse primer 5′-TTCCATCTCTAATTGAGGTTGAACC-3′ Probe 5′-FAM-TCCTCACTGCCGTCTTGTTGACCA-BHQ1-3′ Internal control, the human GAPDH gene Forward primer 5′-TCAAGAAGGTGGTGAAGCAGG-3′ Reverse primer 5′-CAGCGTCAAAGGTGGAGGAGT-3′ Probe 5′-VIC-CCTCAAGGGCATCCTGGGCTACACT-BHQ1-3′ Dr. Zahir Abbas Hilmi PhD Molecular Virology (Division Taxonomy of Human Papillomavirus, Department of Tumor Virology , the DKFZ German Cancer Research Center & Gezira University) Reference Lu, R. et. al.,( 2020) . Genomic characterization and epidemiology of 2019 novel coronavirus: implications for virus origins and receptor binding. The Lancet, (395) DO - 10.1016/S0140-6736(20)30251-8

415 .2 K

منحة جامعة HKBU لدراسة الماجستير فى هونج كونج 2020

تقدم مدرسة HKBU لإدارة الأعمال منحة لدراسة الماجستير تغطى الرسوم الدراسية بالكامل للطلاب الدوليين الغير صينيين. منح الدراسات العليا الدولية هي جوائز إستحقاق و جدارة لمتابعة الدراسة. الهدف من هذه المنحة هو تقديم الدعم المالي الكامل للطلاب الدوليين. جامعة Hong Kong Baptist University (HKBU) هي مؤسسة التعليم العالي ممولة من القطاع العام. التخصصات لهذه الفرصة: ماجستير العلوم في إدارة الأعمال. ماجستير العلوم في المحاسبة التطبيقية والمالية. ماجستير العلوم في الاقتصاد التطبيقي. ماجستير العلوم في حوكمة الشركات والامتثال. ماجستير في المحاسبة الدول المستهدفة مصر, سوريا, العراق, فلسطين, الاردن, لبنان, تونس, الجزائر, المغرب, السودان, ليبيا, السعودية,الامارات, الكويت, قطر, البحرين, عمان, اليمن, الصومال, جيبوتي, موريتانيا, تركيا, ايران, قبرص, جزر القمر, دول اخرى ليست من دول ال شرق الاوسط وشمال افريقيا. لخطوة الأولى: المستندات المطلوبة: شهادات وبيانات الدرجات لجميع السجلات الأكاديمية. نسخ من نتيجة اختبار الكفاءة في اللغة الإنجليزية، إذا لزم الأمر من قبل البرنامج. خطابان توصية. نسخ من جواز السفر أو وثائق الهوية الأخرى. لمزيد من المعلومات و للتسجيل في المنحة من هنا : https://estudentguide.com/?p=10415

412 .2 K