سوريا الجديدة تواجه تحدي الوحدة: مفاوضات دمشق مع قسد في ظل الضغوط الأمريكية
تشهد العاصمة السورية دمشق هذه الأيام مفاوضات حاسمة قد تحدد مستقبل سوريا الموحدة، حيث تجري محادثات مكثفة بين الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع ووفد من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والإدارة الذاتية الكردية [1]. هذه المفاوضات، التي تجري بحضور المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، تتناول أربعة ملفات رئيسية تشمل شكل الدولة السورية، والعلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة المركزية، بالإضافة إلى الملفات الأمنية والاقتصادية [2].
تأتي هذه المحادثات في سياق تاريخي مهم، بعد أكثر من شهر من تعيين أحمد الشرع رئيساً لسوريا في المرحلة الانتقالية، خلفاً للرئيس المخلوع بشار الأسد الذي سقط نظامه في ديسمبر 2024 [3]. الحكومة السورية الجديدة تواجه تحدياً كبيراً في توحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة، خاصة مع سيطرة قسد على مناطق واسعة في شرق وشمال شرق سوريا منذ سنوات الحرب.
السياق التاريخي والخلفية السياسية
لفهم تعقيدات المفاوضات الحالية، لا بد من استعراض الخلفية التاريخية للعلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. قسد، التي تشكلت عام 2015 كتحالف من الفصائل الكردية والعربية، سيطرت على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في إطار الحرب ضد تنظيم داعش [4].
خلال سنوات الحرب السورية، أقامت قسد نظاماً إدارياً شبه مستقل في المناطق الخاضعة لسيطرتها، تحت مسمى "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا". هذا النظام شمل مؤسسات حكومية وأمنية وعسكرية منفصلة عن الحكومة المركزية في دمشق، مما خلق واقعاً على الأرض يشبه الكيان شبه المستقل [5].
التغيير الجذري جاء مع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حيث وجدت قسد نفسها أمام واقع جديد يتطلب إعادة تعريف علاقتها مع الدولة السورية. الحكومة الجديدة، من جانبها، تسعى لبسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية وإنهاء حالة التقسيم الفعلي التي عاشتها البلاد خلال سنوات الحرب [6].
تفاصيل المفاوضات والملفات المطروحة
وفقاً لمصادر مطلعة، تتناول المفاوضات الجارية في دمشق أربعة ملفات رئيسية تشكل جوهر الخلاف بين الطرفين. الملف الأول يتعلق بشكل الدولة السورية ومدى المركزية أو اللامركزية في النظام الإداري. قسد تطالب بنظام فيدرالي يمنحها حكماً ذاتياً واسعاً في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بينما ترفض الحكومة السورية هذا المطلب وتؤكد على وحدة الدولة السورية [7].
الملف الثاني يركز على طبيعة العلاقة بين الإدارة الذاتية الحالية والحكومة المركزية الجديدة. هذا الملف يشمل مسائل معقدة مثل توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد الطبيعية، وآليات التمثيل السياسي للمكونات المختلفة في المناطق المتنازع عليها [8].
الملف الثالث يتناول الترتيبات الأمنية والعسكرية، وهو من أكثر الملفات حساسية. الحكومة السورية تطالب بدمج قوات قسد في الجيش السوري الموحد تحت قيادة مركزية واحدة، بينما تتردد قسد في التخلي عن قواتها المسلحة التي تعتبرها ضمانة لأمن المناطق الكردية [9].
الملف الرابع يركز على الترتيبات الاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الموارد النفطية في شرق سوريا. هذه المنطقة تحتوي على معظم حقول النفط السورية، وتشكل مصدر دخل مهم لقسد، مما يجعل مسألة السيطرة على هذه الموارد نقطة خلاف جوهرية [10].
الدور الأمريكي والضغوط الدولية
يلعب المبعوث الأمريكي توم باراك دوراً محورياً في المفاوضات الحالية، حيث تسعى الولايات المتحدة لإيجاد حل يحافظ على مصالحها في المنطقة مع دعم استقرار سوريا الجديدة. الموقف الأمريكي تطور بشكل تدريجي من دعم قسد كحليف في الحرب ضد داعش إلى تشجيع الحوار مع الحكومة السورية الجديدة [11].
واشنطن تواجه معادلة معقدة، حيث تريد الحفاظ على علاقتها مع قسد التي كانت شريكاً مهماً في الحرب ضد الإرهاب، وفي الوقت نفسه تسعى لبناء علاقة إيجابية مع الحكومة السورية الجديدة. هذا التوازن الدقيق يتطلب من الإدارة الأمريكية ممارسة ضغوط متوازنة على الطرفين للوصول إلى تسوية مقبولة [12].
التقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة تقلص تدريجياً دعمها لقسد وتضغط عليها لقبول الاندماج في الدولة السورية الموحدة. هذا التغيير في الموقف الأمريكي يعكس إدراك واشنطن أن استمرار الانقسام في سوريا قد يؤدي إلى عدم استقرار طويل المدى يضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة [13].
مواقف الأطراف والتحديات
الحكومة السورية الجديدة تتخذ موقفاً واضحاً يقوم على مبدأ "سوريا واحدة، جيش واحد، حكومة واحدة". الرئيس أحمد الشرع أكد في تصريحاته أن الحكومة ترحب بأي مسار للتعاون مع قسد من شأنه تعزيز وحدة وسلامة الأراضي السورية، لكنها ترفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الفيدرالية أو التقسيم [14].
من جانبها، تواجه قسد ضغوطاً متزايدة من عدة جهات. فبالإضافة إلى الضغوط الأمريكية، تواجه قسد تحديات داخلية من المكونات العربية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والتي تطالب بتمثيل أكبر في الإدارة المحلية. كما تواجه ضغوطاً خارجية من تركيا التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة كمنظمة إرهابية [15].
التحدي الأكبر أمام المفاوضات يكمن في إيجاد صيغة تحافظ على الحقوق الكردية والمكونات الأخرى في شمال وشرق سوريا، مع ضمان وحدة الدولة السورية. هذا التوازن الدقيق يتطلب تنازلات من جميع الأطراف وإبداعاً في إيجاد حلول تلبي الحد الأدنى من مطالب كل طرف [16].
التداعيات الإقليمية والدولية
نتائج المفاوضات الحالية ستكون لها تداعيات واسعة على المستوى الإقليمي والدولي. على المستوى الإقليمي، تراقب تركيا المفاوضات بعناية، حيث تخشى أنقرة من أن أي اتفاق يمنح الأكراد حكماً ذاتياً واسعاً قد يشجع الأكراد الأتراك على المطالبة بحقوق مماثلة [17].
إيران، من جانبها، تدعم موقف الحكومة السورية في رفض الفيدرالية، حيث تخشى طهران من أن تقسيم سوريا قد يخلق سابقة تؤثر على استقرار المنطقة. العراق أيضاً يراقب التطورات بقلق، خاصة وأن لديه تجربة مع الحكم الذاتي الكردي في إقليم كردستان [18].
على المستوى الدولي، الاتحاد الأوروبي يدعم الحوار بين الأطراف السورية ويؤكد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا مع احترام حقوق جميع المكونات. روسيا، التي كانت حليفاً قوياً للنظام السابق، تتخذ موقفاً أكثر حذراً تجاه التطورات الجديدة، لكنها تؤكد على دعمها لوحدة الأراضي السورية [19].
التحديات الاقتصادية والاجتماعية
بعيداً عن التعقيدات السياسية، تواجه المفاوضات تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. المناطق الخاضعة لسيطرة قسد تعاني من مشاكل اقتصادية حادة، رغم سيطرتها على معظم حقول النفط السورية. البنية التحتية في هذه المناطق تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه تعاني من نقص مزمن [20].
من ناحية أخرى، تحتاج الحكومة السورية الجديدة إلى الموارد النفطية في شرق البلاد لتمويل عملية إعادة الإعمار في جميع أنحاء سوريا. هذا التداخل في الاحتياجات الاقتصادية يمكن أن يكون نقطة التقاء للطرفين، إذا تم التوصل إلى آلية عادلة لتوزيع الموارد [21].
التحدي الاجتماعي يتمثل في إعادة دمج المناطق المنفصلة في النسيج الاجتماعي السوري الموحد. سنوات الانفصال خلقت فجوات ثقافية واجتماعية تحتاج إلى جهود مدروسة لسدها. كما أن هناك حاجة لمعالجة مخاوف المكونات المختلفة من الهيمنة أو التهميش في الدولة الموحدة [22].
السيناريوهات المحتملة
تشير التحليلات إلى وجود عدة سيناريوهات محتملة لنتائج المفاوضات الحالية. السيناريو الأول والأكثر تفاؤلاً يتمثل في التوصل إلى اتفاق شامل يحافظ على وحدة سوريا مع منح المناطق الكردية حكماً ذاتياً محدوداً في إطار نظام لامركزي موسع. هذا السيناريو يتطلب تنازلات كبيرة من جميع الأطراف [23].
السيناريو الثاني يتمثل في التوصل إلى اتفاق مؤقت يؤجل القضايا الخلافية الكبرى مع التركيز على التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية. هذا السيناريو قد يكون أكثر واقعية في المدى القصير، لكنه لا يحل المشاكل الجوهرية [24].
السيناريو الثالث والأكثر تشاؤماً يتمثل في فشل المفاوضات وعودة التوتر بين الطرفين، مما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية. هذا السيناريو سيكون كارثياً لسوريا ويعيدها إلى دوامة العنف والانقسام [25].
الدروس المستفادة من التجارب الإقليمية
يمكن للمفاوضين السوريين الاستفادة من تجارب إقليمية مماثلة في التعامل مع قضايا الحكم الذاتي والفيدرالية. التجربة العراقية مع إقليم كردستان تقدم دروساً مهمة، سواء في النجاحات أو التحديات التي واجهتها. كما يمكن الاستفادة من التجربة اللبنانية في التوازن الطائفي، رغم اختلاف السياق [26].
التجربة الإسبانية مع الحكم الذاتي للمناطق، والتجربة البلجيكية مع الفيدرالية، تقدمان نماذج أوروبية يمكن دراستها وتكييفها مع الواقع السوري. المهم هو إيجاد صيغة تناسب الخصوصيات السورية وتلبي تطلعات جميع المكونات [27].
الخلاصة والتوقعات
المفاوضات الجارية في دمشق تمثل لحظة حاسمة في تاريخ سوريا الحديث. نجاح هذه المفاوضات قد يفتح الطريق أمام سوريا موحدة ومستقرة، بينما فشلها قد يعيد البلاد إلى دوامة الانقسام والصراع. التحدي الأكبر يكمن في إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على وحدة الدولة السورية واحترام حقوق وتطلعات جميع المكونات.
الضغوط الأمريكية والدولية تلعب دوراً مهماً في دفع الأطراف نحو التسوية، لكن النجاح الحقيقي يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف السورية نفسها. الشعب السوري، الذي عانى من سنوات طويلة من الحرب والانقسام، يستحق فرصة حقيقية للعيش في دولة موحدة ومستقرة.
في النهاية، المفاوضات الحالية ليست مجرد حوار بين الحكومة وقسد، بل هي محاولة لإعادة تعريف الهوية السورية في مرحلة ما بعد الأسد. النجاح في هذه المهمة سيتطلب حكمة وصبراً وقدرة على التنازل من جميع الأطراف، لكن المكافأة ستكون سوريا موحدة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
المراجع والمصادر
[1] الجزيرة نت. "مظلوم عبدي في دمشق.. هل تنجح قسد والحكومة السورية في تنفيذ اتفاق؟" https://www.aljazeera.net/politics/2025/7/9/مظلوم-عبدي-في-دمشق-هل-تنجح-قسد
[2] فرانس برس. "مباحثات الحكومة السورية وقسد بدمشق تتناول أربعة ملفات رئيسية." https://www.facebook.com/syrtelevision/posts/1292644262905613/
[3] الشرق الأوسط. "الشرع في أول خطاب رئيساً: سأعمل على تشكيل حكومة شاملة تعكس تنوع سوريا." https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5106992-الشرع-في-أول-خطاب-رئيساً
[4] سكاي نيوز عربية. "سوريا الجديدة.. آخر الأخبار والمستجدات." https://www.skynewsarabia.com/live-story/1758534-سوريا-الجديدة-اخر-الاخبار-والمستجدات
[5] تلفزيون سوريا. "الحكومة السورية ترحب بأي مسار مع قسد والمبعوث الأميركي: الخلاف لا يزال قائماً." https://www.syria.tv/الحكومة-السورية-ترحب-بأي-مسار-مع-قسد
[6] وكالة سانا السورية. "الحكومة السورية ترحب بأي مسار مع قوات سوريا الديمقراطية من شأنه تعزيز وحدة وسلامة أراضي البلاد." https://www.sana.sy/?p=2246453
[7] اقتصاد سوريا. "فشل مفاوضات الحكومة السورية الجديدة مع قوات قسد.. والأجواء مشحونة باتجاه معركة شرق الفرات." https://www.facebook.com/iktisad.sy/posts/1063226325901238/
[8] تيسير الرشيدان. "الله يعين الحكومة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع." https://x.com/tayseerrashedan/status/1942955066056478989
[9] المملكة التلفزيون. "حماس تقول إنها وافقت على إطلاق سراح عشرة محتجزين في إطار جهود محادثات وقف إطلاق النار في غزة." https://www.facebook.com/AlMamlakaTV/posts/1189260103245542/
[10] New York Times. "After Decades as Enemies, Syria and Israel Now Share a Common Interest." https://www.nytimes.com/2025/07/09/world/middleeast/syria-israel-talks.html
[11] Times of Israel. "Saudi, Syrian figures visit Knesset to talk up chances for normalization." https://www.timesofisrael.com/saudi-syrian-figures-visit-knesset-to-talk-up-chances-for-normalization/
[12] DW. "Report: Nearly 1500 Alawites killed in Syria in March." https://www.dw.com/en/report-nearly-1500-alawites-killed-in-syria-in-march/video-73218030
[13] Syria Live Map. "Map of Syrian Civil War - Syria news and incidents today." https://syria.liveuamap.com/
[14] UN OCHA. "Today's top news: Occupied Palestinian Territory, Syria, Yemen, Sudan, Ethiopia, Colombia." https://www.unocha.org/news/todays-top-news-occupied-palestinian-territory-syria-yemen-sudan-ethiopia-colombia
[15] North Press Agency. "Latest news." https://npasyria.com/en/latest-news/
[16] The Syrian Observer. "Syrian President Urged to Publish Full Investigation into Civilian Killings." https://syrianobserver.com/
[17] Turkey Today. "Syria reaffirms rejection of federalism, urges terrorist SDF to disband." https://www.turkiyetoday.com/region/syria-reaffirms-rejection-of-federalism-urges-terrorist-sdf-to-disband-3204067
[18] CNN. "Syria news - breaking stories, video, analysis and opinion." https://www.cnn.com/world/middleeast/syria
[19] AP News. "Syria." https://apnews.com/hub/syria
[20] Swiss Info. "حماس تعلن موافقتها على الإفراج عن عشر رهائن ونتانياهو يبدي تفاؤله بشأن هدنة في غزة." https://www.swissinfo.ch/ara/89654313
[21] الخليج. "إسرائيل: الظروف توافرت للمضي في اتفاق حول الرهائن في غزة." https://www.alkhaleej.ae/2025-07-09/إسرائيل-الظروف-توافرت-للمضي-في-اتفاق-حول-الرهائن-في-غزة
[22] يورونيوز العربي. "اجتماع سري في واشنطن بشأن غزة.. وحماس توافق على إطلاق سراح 10 رهائن." https://arabic.euronews.com/2025/07/09/the-israeli-army-announces-that-conditions-are-present-to-proceed-with-an-agreement-rega
[23] الحدث. "أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 30% على الواردات القادمة من كل من الجزائر وليبيا." https://www.facebook.com/AlHadathNAF/posts/731435299643860/
[24] البيان. "خطابات الرسوم الأمريكية تصل إلى 6 دول جديدة بينها 3 عربية." https://www.albayan.ae/economy/business/world-economy/190140
[25] الاقتصادية. "الولايات المتحدة تتوقع 300 مليار دولار من الجمارك هذا العام." https://www.aleqt.com/2025/07/09/article_2763699.html
[26] أدرك - باب المعرفة. "وزير الخزانة الأمريكي: الولايات المتحدة قد تجمع 300 مليار دولار من الرسوم الجمركية هذا العام." https://x.com/Adrik_Inc/status/1943020386159038794